EN
  • تاريخ النشر: 02 أكتوبر, 2011

وضع الساعة في اليد وخلعها

ناصر الحجيلان

ناصر الحجيلان

سرد نماذج من البشر لا تحب النظام في حياتها ولا الانضباط وتجيد الهروب من تحمل أي مسئولية



أعرف شخصًا لا يضع الساعة في يده إطلاقًا، ويكره أن يرى غيره يرتدي ساعة في يده. وإذا وقف بجوار شخص في يده ساعة سرعان ما يتضايق ويتبرّم من الجو العام كله ويحرص على مغادرة المكان بأسرع وقت.
وإذا ما لمح أحدًا ينظر في الساعة فإنه يُصدر صوتًا قويًا يُشبه اللعنة، لكنك لا تستطيع أن تُميز ما يقول لأن كلامه مختلط ببعضه، وينصرف على عجل وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.
الرجل عصبي، ويهيج ضدّ من يتحدث معهم لأيّ سبب؛ ولديه قدرة فائقة على ابتكار أسباب الهجوم، فيبدأ بالهجوم على محدّثه من أي زاوية. فتارة يُهاجم الأثرياء، وتارة يُهاجم البلدية، وتارة يهاجم الهيئة، وتارة يهاجم التعليم، ويهاجم البنوك، والزحام ونظام ساهر..إلخ.
ويهاجم محدثه حسب خلفيته الثقافية، فإن كان محدثه شاعرًا هاجمه بالتصنّع والمبالغة والبعد عن واقع الناس؛ وإن كان محدثه شابًا هاجمه بأنه صغير لا يعرف الدنيا وأنه وُلد مرفّهًا ومُدللا؛ وإن كان محدثه كهلاً هاجمه بأنه لم يُقدّم للحياة شيئًا مفيدًا وأنه سبب التأخّر الحضاري؛ وإن كان محدّثه يرتدي ثوبًا تهجّم على الزيّ بأنه يعيق الحركة ويقلل من إنتاجية الفرد، وإن لبس بنطلونًا لم يسلم من التهجم بأن هذا تقليد للغرب وفيه ادعاء مزيّف للتحضر.. وهكذا يجد مبررًا لهجومه الحادّ على كل شخص يفتح معه مجالاً للحديث. ولهذا، فقد تجنّبه الناس الذين يعرفونه وصاروا لا يتحدثون معه.
ولكن الغريب في شخصيته أنه يهدأ تدريجيًا إذا لم يواجه مقاومة مع من يتحدّث معه. فإذا وجد من يصغي إليه، فإنه يهدأ ويبدأ يتكلم بطريقة سلسة تبدو منطقية، ولو وجد استجابة مريحة مع محدّثه فإنه ربما ينتهي إلى الهجوم على ذاته ويصف نفسه -بكل جسارة- بأنه غبي وتافه.
وبعد أن هدأ ذات مرة، سألته عن سرّ علاقته بالساعة ورفضه لها، ففرح بهذا السؤال، وراح يتحدّث عن فلسفته في فهم الزمن بأنه يعني «تدفّق الحياة في أوردة الفضاء»، وأن الزمن ليس سوى «كينونة تُحرّك الأنا، وتتحرّك معها العوالم الأخرى».
ويجد أن "الساعة" تُقيّد حركة الزمن وتُحدّده، ويرى فيها اعتداء صارخًا على حريّة الإنسان. ولمّا سألته: كيف؟ قال: إن عقارب الساعة- وهي تشير إلى تحرّك الزمن- تبعث القلق والتوتر لأنها تصادر حرّية المرء في الاستمتاع بوقته، فالذين يرتدون الساعات دائمًا ما تقطع الساعة حبل أفكارهم لأنها تُذكرهم بعمل معين أو بموعد، ودائمًا ما تجعل المرء مشتتًا لأنه يخاف أن يمر الزمن منه.
وبينما هو مستغرق في حديثه أخذ يُغني أغنية «تناظر الساعة، وليش مستعجل».. ولكنه لم يلبث طويلا حتى عاد ليواصل حديثه بأن الإنسان يبدع أكثر ويتألق أكثر حينما يكون حرًا من قيد الزمن.
ولمّا سألته: كيف يعيش الإنسان دون زمن؟ زاد توتّره وردّ بعنف: «يعيش في اللازمن»، وراح يستطرد في تعريف اللازمن بأنه «الهوة السحيقة بين الأنا والذات، بين الوعي وعدم الوعي، بين الوجود واللا وجود».
وخشية من تشنجه، لم أشأ أن أفتح معه موضوعًا عن كيفية إنجاز العمل في اللازمن، لكني علّقت بأن هناك من يجد أن الساعة تنظّم أعمالهم في هذه الحياة وتساعدهم على الترتيب وجدولة الأمور التي تتطلبها الحياة.
ففزع بقوة وراح يهجو "التنظيمو"الترتيب" لأنهما في نظره أساس التخلف عن الإبداع؛ فهو يعتقد أن التنظيم والترتيب هي أدوات قاتلة تحدّ من قدرة الإنسان على التحليق في الأفق والغوص في الخيال إلى أبعد الحدود.
ولأن هذا الشخص لم يقدّم عملا معروفًا وليس له إنجاز واضح، فمن المتوقع أن هذه الفلسفة التي يتبعها في رفض وضع الساعة بيده والتهرب من قيود الترتيب والتنظيم ما هي إلا مبررات يُداري بها فشله؛ فعمره بحدود الخمسين ولا يزال عالة على أسرته، بلا عمل ولا علاقات ولا إنتاج.
وقد يكون هلعه من الساعة إنما هو خوف من سطوة الرقيب، فقد تذكره الساعة بطفولته مع والده الذي ينهره إذا تأخر، أو يؤنّبه إذا لم يفعل ما هو مطلوب منه؛ وكأن التحرر من الساعة هو تحرر من سلطة الأب.
وإذا كان تركيزه على الساعة لأنها معيار حسي، فإن التخلي عن الساعة لم يكن مجرد تخلّص من قيد حسي، بل إنه انسحب على تفكيره الذي صار متداخلا وضائعًا.
وأعتقد أن الذي يمرّ بهذه المرحلة الذهنية يعيش رحلة من الضياع في عالم بلا معالم ولا هوية وليس له منطق يمكن إدراكه.
ولكنّ هذا النوع من العيش ممتع لهذا الشخص الذي يجد فيه الحرية والانطلاق غير المحدود. وحتى لو لم ينتج شيئًا معينًا، فإنه مبتهج بما يشعر به من سيطرة على غيره، إذ لا يوجد شيء يتحكم به أو يطالبه بأي اعتبار.
ومع ندرة هذا النمط من الشخصيات، إلا أن المنطق المستخدم معها موجود عند عدد غير قليل من الناس ممن لديهم حوافز قوية للتحرر من أي شكل من أشكال السلطة الحسية أو المعنوية.
* نقلا عن الرياض السعودية