EN
  • تاريخ النشر: 07 أكتوبر, 2011

هل المادة تعدل السلوك؟


الكاتب يتناول قضية أجهزة الإتصال الحديثة وتأثيرها على السلوكيات والأخلاق.

 

جاءني مرشد طلابي قدير أمضى نحو عشرين سنة في ارشاد الطلاب وتوجيههم في مختلف المراحل الدراسية، يريد التشاور للوصول لأفضل الطرق للحد من التعامل السلبي للطلاب مع المتغيرات والأجهزة ووسائل الاتصال الى ايجابي او محايد على اقل تقدير، فحجب المواقع الالكترونية، ووضع قيود وشبكة خضراء ورقابة لصيقة والبحث عن انجح الوسائل لفتح باب التواصل الاثرائي للمواقع التي تجمع بين النفع والترفيه والتعريف بها، كلها وسائل اثقلت كاهل المربين والمسؤولين، وللتربية ضريبة ولا شك وثمرتها لا تقدر بثمن اذا رافق ذلك الصبر والاحتساب والرفق.

 قد يستخدم المربون المادة لتعديل سلوك الاولاد، فيغدقون عليهم من الهدايا وشراء الاجهزة الحديثة والترفيه والثناء وربما يكلفونهم بالقيام ببحوث من المواقع الالكترونية او استخراج معلومات او مقاطع نافعة فيخففون من سلبيات هذه الاجهزة، كل ذلك ربما ينطلق من قاعدة ان «المادة تعدل السلوك» قياسا على الكبار الذين شبوا عن الطوق. ولكن قد يتبادر للذهن عن حال الاوقات والخلوات التي لا تصل اليها اليد التي تكافئ وتعاقب، وربما هي الاساس والاهم في حياة الفرد لأن السلوك الباطن لابد ان يظهر في يوم من الايام ولابد ان يظهر اثره في الواقع كما قال الشاعر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة ***  وان خالها تخفى عن الناس تعلم

 

ربما تتأصل فتصبح هي الاساس في حياة المرء لذا فمن كانت سريرته نقية فلا يخشى عليه ولابد عقلا ومنطقا ان تكون علانيته مثل سريرته او افضل وهذا معلوم مشاهد لمن عاشر الناس طويلا

فيعلم من ذلك ان المادة تعدل السلوك الظاهر وقد لا يكون لها اثر على المدى البعيد على السلوك الباطن الذي هو الاساس لذا كان لزاما ان نعيش مع النصوص - ونذكر بها دائما - التي تدعو للعناية في السلوك الباطن والذي لا يطلع عليه الا الخالق سبحانه وتعالى. يقول تعالى في سورة «الملك»: (ان الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة واجر كبير). والغيب كما فسره الشيخ ابن سعدي رحمه الله هي الخشية التي تكون في الاحوال التي لا يطلع على العبد الا الله أي سلوك الخلوات والسر، وما اجمل ما ذكره احد السلف عندما كان يربيه ابوه فيقول له: (قل الله يراني، الله ناظر الي) كي يشعره بالمراقبة ويطلب منه تكرار هذه العبارات على الدوام. وما اجمل ما يقوله عوام الناس محذرين من الاستهتار بشرع الله واوامره ونواهيه والتي غاب بعضها عن الاسماع حيث كان يسمعها الناس فيتذكرون قول الله تعالى: (الم يعلم بأن الله يرى) فقد كان الناس يكررون محذرين المتلاعب بشرع الله في السر او في العلن من معاص ومنكرات في الجوارح او في القلب فيقولون: (ان الله لا يضرب بعصى) او يقولون: (ان الله يمهل ولا يهمل) فيكون ذلك تحذيرا وهذا استنتاج طيب من قوله تعالى: (وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير). نسأل الله تعالى ان يجعلنا ممن يراقب الله في السر والعلن.

  نقلا عن صحيفة "اليوم" السعودية