EN
  • تاريخ النشر: 08 ديسمبر, 2011

نساء وجريمة

monawat article

monawat article

الضغوط الاجتماعية والكبت الذي تتعرض له المرأة يجعلها ترتكب جرائم عنف وتقْدم على أفعالٍ بعيدة عن طبيعتها الأنثوية

(اعتدال عطيوي ) ترى ما الذي يجعل المرأة تُقْدم على أفعالٍ بعيدة عن طبيعتها الأنثوية حين تُطالب بحقوقها ويُتجاهل ذلك -وهي التي يتغنّى المجتمع كله برقتها ودلالها ورهافتها- إلَّا التعرض لضغوطٍ تجعل من انفجاراتها بركانية وغير مألوفة بل تدخل في منطقة الجريمة السوداء..؟!

فقد صُدم المجتمع بجريمة الأخوات ضد أخيهن، وفصل الرأس والتقطيع إلى آخر التفاصيل البشعة، ولكن ما الذي يُحجِّر القلوب لدرجة الاستقواء على القتل إلا القتل المعنوي والنفسي المستمر.

لا أريد أن أستبق التحقيقات الرسمية، ولكن كلنا نعلم أن في الأمر ألمًا عميقًا متراكمًا تحوّلت حممه سكينًا قضت على حياة شقيق.

ترى كم قُتلت هذه الفتيات وغيرهن بسلاح الإهمال والتجاهل بل التهديد الجسدي والمعنوي.. ولماذا تتجاهل الأسر إشارات الانحراف الأولى المنذرة التي قد تصدر من الذكور تجاه الشقيقات أو البنات كما ولو أن ذلك من خوارق الدنيا..؟!

ولا يستغربن أحدًا ما ويسارع إلى التدثر بعباءة الفضيلة التي يجب أن يتدثر بها جميع أفراد المجتمع، وكلنا يعلم أن الواقع الإنساني خلاف ذلك إطلاقًا، فإذا كان مسلكنا جميعًا كالملائكة، فمن أين تأتي هذه الجرائم المفزعة، ولماذا سُنّت الشرائع ولمن..؟! فنحن ككل البشر فينا الصالح والطالح.

ولكل أسرة ظروفها الخاصة التي قد يكون بعضها في منتهى الغرابة نتيجة قهر أو عجز أو خلافه، فلِمَ نستبعد السلوكيات المنحرفة ونضعها على الرف إلى حين حدوث الكوارث..؟!

وقد سمعت الكثير من الحكايات والإشارات والمآسي التي قد تعيشها بعض النساء والفتيات خلال عملي كاختصاصية اجتماعية، وهى مهنة تجعلك تسمع بل تلمس وربما ترى الكثير من المسكوت عنه بحكم أنني أُجالس الحالات وأسمع منها ولكن غالبًا في النهايات قد لا تستطيع السيطرة على الموقف أو معالجته، خاصة أن لكل عمل حدود معينة لا يمكن تجاوزها حتى وإن احتجنا لذلك.. وهنا نتساءل عمّن يجب أن يستمع ويعي ويحمي أوّلًا، أليست الأسرة..؟! وإذا كانت الأسرة متجاهلة أو ترفض التصديق أن أحد رجالها قد يقوم بالتحرش، أو تعتبره خرق من خيال، أو نشوز في النساء، وتعجز الفتيات عن المصارحة خوفًا ورعبًا من عقاب مستطير، وتشكيك جاهز، فالمرأة عند الكثيرين مشروع رذيلة لا يحتاج إلا إلى ظروف مواتية.

لذا يتّخذون عشرات الوسائل تحت مفهوم الولاية والقوامة والحماية؛ لردعها من نفسها الأمارة دومًا بالسوء، وقد لاحظت تلك الإدانة الجاهزة في ردود أفعال كثير من القراء على الجريمة المذكورة.

ولذا من ذا الذي يُصدِّق أن الحامي قد يتحوّل في خفاء المستور إلى معتد ومتحرش، فتضطر المرأة تحت نير ذلك إلى تجرّع ألمها ورعبها إلى الأبد، وإذا كان ذلك حقيقة قد تواجه أي امرأة، فمن هو البديل لتشكو ألمها له في هذه الحالة.

وإذا كانت الأسرة تعلم أن الابن أو غيره في وضع غير طبيعي، من إدمان أو مرض نفسي وسلوكيات مرفوضة، وإمكانية التحرش واردة، ولا تستطيع التصرف من عجز أو غيره، فإلى من تلجأ..؟!

أعتقد أن الشؤون الاجتماعية هي أولى الجهات المسؤولة عن وضع خطوط هاتفية ساخنة للتبليغ عن حالات العنف الأسري، ومنها التحرش أو الإهمال أو التعدي اللفظي أو الجسدي، وهى موجودة بالفعل، ولكن تفعيلها ما زال ضعيفًا، وقد لا يغطي أطراف الوطن كافة.

كما تُشاركهم حقوق الإنسان في هذه المسؤولية، وعبئهم كما نعلم كبير، إلا أنهم يمكنهم الاستعانة بالعناصر التطوعية المؤهلة من الجنسين لمساعدتهم في مواجهة احتدامات المجتمع، ومن أهمها العنف الأسري.

كما يمكن استحداث مكاتب استشارية اجتماعية ونفسية؛ تتبع للجنة العنف الأسري في المناطق والمحافظات كافة، تستعين بجهود وخبرات أبناء المنطقة المؤهلين في هذا المجال.

أنا لا أتحدث هنا عن ظاهرة، ولكنها حالات متفرقة بأشكال متعددة، تدخل تحت منظومة العنف الأسري، وهى إحدى مشكلات المجتمع المحتدمة حاليًا، والتي يجب أن نواجهها بوعي وعمق وإجراءات حضارية، ولكن صارمة ترعى حقوق الجميع.

ولعل ذلك يذكرنا دائمًا أن المجتمع بحاجة إلى جرعات مكثفة من الوعي الاجتماعي تجاه كل أفراده، نساء ورجال وأطفال، في ظل وسطية متأنية تحفظ الإنسانية والحقوق.. أما كيفية تفعيل وإنضاج الوعي الاجتماعي، فذاك حديث آخر.

* نقلا عن صحيفة المدينة السعودية