EN
  • تاريخ النشر: 26 سبتمبر, 2011

لهذه الأسباب قررت النملة الانسحاب

الكاتب الإماراتي على عبيد

الكاتب الإماراتي على عبيد

قصة خيالية عبر عنها الكاتب الإماراتي على عبيد ليكشف عن رأيه في عملية الانتخابات من خلال سرده لقصة نملة قررت ترشيح نفسها في الانتخابات

مثلما حدث للكثيرين غيرها ممن وجدوا أسماءهم في القائمة الانتخابية، لم تستطع النملة مقاومة إغراء الترشح للانتخابات، لكنها وجدت نفسها في حيرة كبيرة بعد أن أقدمت على هذه الخطوة. تفحصت النملة قائمة المرشحين في الدائرة التي رشحت نفسها فيها، فهالها العدد الكبير الذي حوته، رغم محدودية المقاعد التي سيتنافسون عليها، ووجدت الوقت يمضي سريعاً دون أن تبدأ حملتها الانتخابية، بعد الترشح الذي بدا لها أنها اتخذت قراره على عجل، ودون دراسة وافية.
سألت النملة نفسها: هل الترشح في حد ذاته غاية أم وسيلة؟ كان سؤالاً مهمّاً جعلها تتأمل القائمة الطويلة من أسماء الذين رشحوا أنفسهم لخوض هذه المنافسة، التي بدا واضحاً أنها ستكون حامية، إلى الدرجة التي ستجعل مهمة الوصول إلى المقعد أصعب مما كانت تتصور أو يتصور القطاع الأكبر من المرشحين، رغم إيمانها بحق الجميع في الطموح الذي يتساوون فيه مثلما يتساوون في مساحة الأمل.
وإن كانوا يتفاوتون في حجم الحظوظ التي تتطلب شروطاً تعتقد بأن البعض لن يستطيع توفيرها. ورغم بساطة السؤال، إلا أن الجواب بدا لها للوهلة الأولى صعباً. لم تكن من هواة فلسفة الأمور أو تحميلها أكثر مما تحتمل، لكن قراراً كقرار التصدي لتمثيل فئة قليلة في محفل صغير ليس قراراً سهلاً، فكيف بمن يتخذ قراراً لتمثيل فئة كثيرة في محفل كبير كهذا؟
تساءلت النملة عما إذا كانت قد أعدت نفسها الإعداد الكافي لهذه المهمة، التي هي أمانة وليست وظيفة يتوقف اتخاذ القرار إزاءها على الجوانب المغرية فيها والأخرى المنفرة منها. نظرت إلى تاريخها فوجدت جوانب كثيرة منه مضيئة ومشرِّفة، فقد كانت عاملة نشطة مخلصة محبة للدائرة التي كانت تعمل فيها. لم تتأخر يوماً في الوصول إلى مكان عملها.
ولم تهدر وقت العمل في ما لا يعود على دائرتها بالنفع والفائدة، ولم تَشُبْ سيرتها في العمل شبهة فساد أو استغلال وظيفي للحصول على منفعة شخصية.
صحيح أن هذه الصفات مسوغات جيدة تجعل من مسألة الترشح فكرة صائبة، لكنّ هذا كله حدث في مرحلة من حياتها كانت مستقرة وآمنة، يوم أن كانت دائرتها ترفل في أثواب الراحة والألفة والأمان، قبل أن يأتي الطوفان الذي عصف بالدائرة وحولها إلى بيئة طاردة، وقبل أن يُطاح بها لتجد نفسها خارج الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها،.أولئك الطارئين، ولا يتغير شيء من الواقع الذي كانت تراه كل يوم يتردى.
سألت النملة نفسها: لماذا لم تتسلح بالقوة الكافية لمواجهة التخريب والفساد اللذين كانا يزحفان على دائرتها؟ لماذا استسلمت للواقع ولم تقم بحشد المخلصين من أبناء الدائرة، لوقف تسلل الغرباء والطارئين الذين لم تكن مصلحة الدائرة والعاملين فيها تعنيهم قدر ما كانت تعنيهم مصالحهم الشخصية؟
هل كانت غافلة إلى الدرجة التي جعلتها لا تستشعر الخطر الذي كان يتقدم نحو الدائرة، أم أنها كانت ضعيفة إلى الدرجة التي لم تقوَ معها على مواجهة هذا الخطر ومحاولة صده؟
طرحت النملة على نفسها هذه الأسئلة كلها، ليس من باب التقريع والتأنيب الذي فات أوانه الآن، وإنما من باب التمهيد للسؤال الأهم الذي كانت تستعد لطرحه بعد أن سجلت اسمها في قائمة المرشحين للانتخابات، وبقي أن تقرر بشكل نهائي ما إذا كانت ستمضي إلى آخر الشوط، أم تتراجع وتنسحب لتفسح المجال لمن هو أكفأ منها وأكثر استعداداً للقيام بمهمة تمثيل مواطني مملكة النمل، الذين يستحقون تمثيلاً مشرفاً يليق بمملكتهم.
قالت النملة لنفسها إن من يتصدى لمهمة تمثيل أبناء وطنه، يجب أن يمتلك من الصفات والمؤهلات ما يجعله أهلاً لهذه المهمة الوطنية الكبرى. ثم نظرت إلى ما مضى من سيرتها، فرأت أن عليها أن تعرف كيف تدافع عن نفسها وتنتزع حقوقها، قبل أن تتصدى للدفاع عن الآخرين والمطالبة بحقوقهم. أيقنت أن الممارسة الديمقراطية قوة للوطن كله، وأن على من يمارسها أن يكون قوياً وواثقاً من نفسه. أدركت أنها تحمل في داخلها آثار جرح لم يندمل بعد، فقررت أن تداوي جروحها قبل أن تتصدى لمداواة جروح الآخرين.
عقدت العزم على إعداد نفسها إعداداً جيدا للمرحلة المقبلة، كي يكون لها دور فاعل فيها. وأخيراً، استعرضت أسماء من تقدم معها للترشح، فوجدت في القائمة من هو أجدر منها بالفوز وأكثر قدرة على القيام بتمثيل أبناء الوطن، في هذا التوقيت على الأقل.
لهذه الأسباب قررت النملة الانسحاب من الانتخابات. لم تنشر إعلانا واحدا في أية وسيلة إعلامية، ولم تقم ندوة واحدة في أي مكان، ولا أولمت لأحد مثلما فعل كثير من المرشحين الذين مضوا حتى آخر الشوط، دون أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا واحدا من الأسئلة الكثيرة التي طرحتها النملة على نفسها. كان قرار الانسحاب مفاجئا للذين يعرفون النملة ويعرفون مثابرتها وقدرتها على تمثيل أبناء مملكتها، رغم كل شيء، لكنه لم يكن مفاجئاً للنملة التي تعرف نفسها جيدا، وتعرف كيف تتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
ملاحظة: صبيحة يوم الانتخابات، كانت النملة من أوائل الذين توجهوا إلى مراكز الاقتراع لانتخاب من تعتقد بأنه الأصلح لتمثيلها. وقد خرجت من المركز وهي أكثر اقتناعا بالقرار الذي اتخذته، وأقل إحساسا بالندم لأنها لم تتراجع عنه