EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2011

عيال البلد

بدرية البشر

بدرية البشر

ظاهرة حوادث الطرق مع الاستشهاد بمقتل لاعب المنتخب الإماراتي لكرة القدم ذياب عوانة في حادث سيارة

أثار خبر مقتل لاعب المنتخب الإماراتي لكرة القدم ذياب عوانة رحمه الله، الذي يبلغ من العمر 21 عامًا في حادث سيارة؛ الذعر والأسى في نفوس الناس في الإمارات وخارجها. وقد امتدت فاجعة الخبر بفعل تقنيات التواصل التقني إلى أوساط الشباب كافة.

رغم أن حوادث المرور في الإمارات بلغت 387 قتيلاً العام الماضي، حسب صحيفة "الإمارات اليومسببها السرعة والتهور، وبزيادة بلغت 70% خلال عشر السنوات الماضية؛ فإن الأثر الذي يحدثه موت لاعب كرة في وجدان الشباب والناس، أكبر من الأرقام المتزايدة التي لا يشعر بها أحد.

فاجعة فقدان الشباب في عمر مبكر بسبب حوادث الطرق هي مختصر خسارة كبيرة تعاني منها مجتمعات الخليج العربي؛ ففي السعودية بلغ عدد قتلى حوادث الطرق 19 قتيلاً يوميًّا أغلبهم من الشباب.

التحقيقات أسفرت عن أن اللاعب الشاب ذياب عوانة رحمه الله كان منشغلاً في جهاز البلاك بيري وهو يقود سيارته بسرعة فاصطدم بشاحنة. ونشرت صحيفة "الإمارات اليوم" صورة عن آخر محادثة بينه وبين زميله مدافع نادي الوحدة والمنتخب حمدان الكمالي الذي لم يصدق الخبر؛ لأن ذياب قد بعث إليه عبر البلاك بيري رسالة يقول فيها إنه الآن على مقربة دقيقتين من منزله. وطلب أن يخبر شقيقه بالخروج إليهلكن الدقيقتين لم تنتهيا، وعوانة لم يصل.

اليوم أتلفت، وأنا أسير في الشارع، وفي المجمعات التجارية، وفي المقاهي والمطاعم، الشباب والشابات معظمهم يدفنون رؤوسهم في البلاك بيري، والآي فون.. سيدة تتحسس بقدمها عتبة السلم الكهربائي وعقلها ورأسها مدفون في الجهاز الذي تحمله.. زلة واحدة من قدمها تكلفها الكثير.. الشباب الذين يقودون سيارتهم في الشوارع يكتبون أو يردون على رسالة وصلتهم.. يقطعون طعامهم ليردوا على رسالة.. أكثر حوارات الشباب لا تتجاوز سؤال: "وينك يابو الشباب؟!"، يفتشون بعضهم عن بعض ليعيشوا فراغهم معًا، أو مجتمعين على الهواء مباشرة.

وأنا أسير في شوارع دبي ألاحظ أن المقيمين هم الأكثر التزامًا بالأنظمة؛ لأنهم يدركون فداحة الثمن ويخافون من الغرامات والسجن، أما من يقود بتهور واستهتار فهم "عيال البلد"؛ لأنهم يعرفون أن الواسطات ونفوذ العائلة تحميهم، ومحفظة نقود الوالد تسدد الغرامات الباهظة، ومن ثم فإن خسارتنا الأليمة في الأخير هي في "عيال البلد".

بعد حادث موت عوانة نظمت "الإمارات اليوم" حملة شعبية كبيرة من أجل حشد التأييد لمقاطعة كتابة الرسائل والمحادثات التراسلية عبر الهواتف المتحركة، ودعمتها في هذه الحملة وزارة الداخلية والاتصالات ومحطات تلفزيونية وإذاعية. ومن الجيد ألا تذهب أرواح الشباب سُدًى، وأن يشعر الناس بفداحة ما حدث، إلا أن هذا ليس كافيًا إن لم يرافقه قانون مروري يغرم ويجرم من يستعمل الهاتف أثناء قيادة السيارة.

رغم الحوادث المتزايدة نجد بيننا من يعاند حقيقة أن النظام المروي كلما كان قاسيًا كان ناجعًا، وبعضنا حتى اليوم لا يزال يعارض نظام ساهر الذي يراقب السرعة والتهور متعللاً بأخطاء قد يرتكبها ساهر، دون أن نفرق بين خطأ في النظام ونظام خاطئ، أو بدلاً من أن نشير إلى مكمن الخطأ ونطالب بإصلاحه نطلب نسف تنظيم مهم مثل ساهر يحمي حياتنا وحياة الآخرين.

لو نام أحد من أبنائك في السجن، أو دفعت معاش شهرك كله، فهذه الخسارة قد توقظ وعيك ووعيه، وتضبط تهوره وتمنعه مما هو أسوأ؛ لهذا علينا أن نطالب بتحسين مراكز التوقيف، وتطوير الطرق ونظام مراقبتها، بدلاً من أن نبحث عن واسطة لتخرج شابًّا متهورًا يحتاج إلى درس في الانضباط.

* الحياة السعودية.