EN
  • تاريخ النشر: 11 ديسمبر, 2011

عن اعتبار الآداب والفنون من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها

سمير فريد

سمير فريد

انتقاد هجوم السلفيين في مصر على الأديب الراحل نجيب محفوظ ووصف أدبه بالدعارة والحض على الرذيلة

(سمير فريد ) غداً تبدأ سنة مئوية ميلاد نجيب محفوظ، يوم ١١ ديسمبر عام ١٩١١، وهو من الأيام العظيمة فى تاريخ مصر، والتى سوف تظل موضع اعتزاز كل مصرى يحترم ثقافته الوطنية.

يقال دائماً إن «محفوظ» عبر عن الثقافة الوطنية فى مصر، وإن شكسبير عبر عن الثقافة الوطنية فى إنجلترا، وكذلك كل كبار الكتاب والشعراء فى اللغات المختلفة، وكأن الثقافة الوطنية توجد ثم يأتى من يعبر عنها، والواقع أن كل شعب بقدر ما يعيش حياته ويصنع تاريخه، بقدر ما يعيش كبار مبدعيه حياتهم ويصنعون ثقافته الوطنية، فأعمالهم هى هذه الثقافة.

قال «محفوظ»، الذى توفى عام ٢٠٠٦، يوماً فى حوار نشر فى جريدة «أخبار الأدب»: «يبدو أن المصريين يريدون تجربة حكم الإخوان المسلمين»، ولكنه لم يعش ليرى شباب مصر يقومون بثورة شعبية من أجل الحرية فى ٢٥ يناير ٢٠١١، مثل الثورة التى قاموا بها فى ٨ مارس عام ١٩١٩، ويرى الإخوان يرفضون الاشتراك فى الثورة، وكذلك السلفيون، وعندما تؤدى الثورة إلى وجود حزبين سياسيين للإخوان والسلفيين لأول مرة فى تاريخهم، يعتبرون أنفسهم أصحاب الثورة، ويفوزون فى أول انتخابات بعدها، وقبل أن يعلن فوزهم رسمياً يقول المتحدث باسمهم إن أدب «محفوظ» «يحض على الرذيلة ويدور حول الدعارة وأوكار المخدرات، وإن بعض رواياته تحمل فلسفة إلحادية»، وهكذا حاولوا اغتياله عام ١٩٩٤، ويحاولون الآن اغتيال أدبه بعد وفاته.

أدب «محفوظ» جبل راسخ فى مصر والعالم العربى والعالم، وإذا كان فى مصر من يرى أننا لا نحتاج إليه، فالدنيا كلها تحتاجه وتعتبره من التراث الإنسانى، الذى يجب المحافظة عليه، ومشكلة هذا التيار، الذى يريد أن يحكم مصر بعد الثورة مستغلاً تدين الشعب، وتصور العامة أنه يمثل الدين، ليست مع أدب «محفوظ»، وإنما مع كل الآداب والفنون، أى الشعر والقصة والموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، وجوهر هذه المشكلة أنهم يعتبرون الآداب والفنون من الكماليات التى يمكن الاستغناء عنها والحياة بدونها، وإنها وسائل للتسلية، بمفهوم الكلمة الشائع فى العربية، والذى لا علاقة له بمفهومها فى اللغات الأخرى، حيث تعنى المتعة الروحية والفكرية، أما فى العربية فتعنى مجرد قضاء وقت الفراغ مثل «قزقزة اللب».

والآداب والفنون عند هذا التيار فى أحسن الأحوال، وتحت ضغط ملاحظة حب الناس لها وسائل للوعظ الدينى والإرشاد الأخلاقى، مثل مسرح الكنيسة عندما حكمت أوروبا، أو السينما الإيرانية فى ظل حكم «آيات الله»، ولكن الآداب والفنون ليست «وسائل»، وإنما «غايات» فى ذاتها تصنع الثقافة الوطنية من خلال تعبير مبدعيها عن أنفسهم، ومن المؤسف حقاً أن ترتفع فى مصر الآن أصوات السياسيين والعسكريين ورجال الدين، الذين لم يقوموا بالثورة، ويخفت صوت الأدباء والفنانين، الذين شاركوا فيها بقوة.

* نقلا عن المصري اليوم القاهرية