EN
  • تاريخ النشر: 10 نوفمبر, 2011

عمر بطيشة

fan article

عمر بطيشة

الكاتب يحكي ذكرياته في العيد مع الإذاعة المصرية التي يعتبرها ذاكرة الأمة

(يا ليلة العيد آنستينا! ) كل عام وأنتم بخير، لوقفة عرفات وعيد الأضحى في نفس ذكري غالية أرويها بمناسبة العيد، عام 1997 كنت أضع خريطة البرنامج العام وتذكرت تسجيلاً تاريخياً نادراً كشف عنه الإذاعي الكبير الراحل جلال معوض ومساعدته في برنامج عصر من الغناء مع أم كلثوم الإذاعيتان الرائعتان نعيمة حسن (دكتورة نعيمة الآنوعبير سيد وهو تسجيل لحفل أحيته أم كلثوم عام 1944 في النادي الأهلي ليلة العيد، وبينما كانت أم كلثوم تختتم أول أغنية في الحفل وهي «حبيبي يسعد أوقاته» وخلال مقطع «والليلة عيد.. ع الدنيا سعيد» إذا بالملك فاروق يفاجئ الحفل بحضوره إلى النادي الأهلي (مع أنه كان يرعى نادي فاروق ـ الزمالك!) وانقلب الحفل بكل جمهوره إلى تحية الملك وعلت الهتافات بحياة «فاروق ملك مصر والسودان» ومن شدة التصفيق والهتاف لـ«صاحب الجلالة الملك» توقفت أم كلثوم عن الغناء حتى هدأ الهتاف والتصفيق بعد حوالي خمس دقائق، مما يؤكد أن الشعب المصري كان يحب الملك فاروق حباً جماً في ذلك الوقت قبل أن يسوء سلوكه وتنحرف سياساته، ولعل جيل الشباب الحالي لو استمع إلى هذا التسجيل النادر سيدهش من أجداده حاضري هذا الحفل وما قدموه من مظاهر التصفيق والهتافات والأهازيج بل والروشنة في التعبير عن فرحتهم بالملك رغم ارتدائهم الطرابيش والبابيونات!. وبعد خمس دقائق من الهتاف عادت أم كلثوم لتستأنف الغناء، وبسرعة بديهتها المعروفة عدلت كلمات المقطع الأخير من: «والليلة عيد ع الدنيا سعيد.. عز وتمجيد. وانت حبيبى» إلى «عز وتمجيد ليك يا مليكى»! واشتعلت الهتافات ودوت الأهازيج ليتدخل مذيع الحفل ويعلن على الهواء أن الملك طوق عنق أم كلثوم بنيشان الكمال (وكان مقصوراً على الأميراتولقب صاحبة العصمة، وبعدها قدمت أم كلثوم أغنيتها الشهيرة «يا ليلة العيد آنستينا» وأيضاً عدلت كلماتها لتحيي الملك.

كل هذا جال بخاطري وأنا أضع الخريطة وقررت أن أقدم هذا التسجيل التاريخي كاملاً دون مونتاج بهتافاته وتحياته للملك ووصف المذيع وذلك دون أن أتشاور مع أي قيادة إعلامية، وما أن علم الزملاء في الإذاعة بقراري حتى أصيبوا بصدمة وخافوا.. فلأول مرة يذاع هتاف للملك فاروق في الإذاعة المصرية منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 ولكنني أصررت لإيماني بأن تاريخ مصر ملك للمصريين، وهذا التسجيل جزء من تاريخ مصر لا ينبغي حجبه.

وشجعني نجاح التجربة والصدى الهائل للمستمعين فرحاً بها على أن أوصي بإذاعة هذا التسجيل في كل ليلة عيد وعلى الدوام، بل تشجعت وبدأت في إذاعة كل أغاني التراث الغنائي الوطني قبل وبعد ثورة 1952 بما فيه من أغنيات تضم اسم الملك فاروق أو جمال عبد الناصر، وكان ذلك محظوراً طوال عهدي السادات ومبارك.

وحينما توليت رئاسة الإذاعة طلبت وضع هذه الأغنيات الوطنية في أوقات مميزة علي خريطة إذاعة الأغاني، واستعاد المستمعون أغنيات ما قبل ثورة 52 وأيضاً أغنيات الثورة وعبد الناصر والتأميم والعدوان الثلاثي والاشتراكية و.. و.. إلى آخره من روائع الأغنيات التي أبدع فيها مؤلفو وملحنو ومطربو ومطربات وفرق مصر ثم وضعت على أرفف مكتبة الأشرطة بالإذاعة خوفاً من «زعل» النظام الحاكم!

وهكذا أثبتت الإذاعة المصرية أنها بالفعل ذاكرة الأمة.

نقلاً عن صحيفة الوفد المصرية