EN
  • تاريخ النشر: 31 ديسمبر, 2011

عام... ولا كل عام

بدرية البشر

بدرية البشر

عام 2011 الذي مضى لم نعد نشبه فيه أنفسنا، ولم تعد الحياة هي نفسها ولا العالم هو نفسه، حتى تفسيراته بين الناس مختلفة

  • تاريخ النشر: 31 ديسمبر, 2011

عام... ولا كل عام

(بدرية البشر) لازلت أذكر المقال الأول الذي كتبته مبتدئة مع جريدة «الحياة» أول مقالاتي كأنه أمس، كان مقالاً عن تأملات في وداع عام مضى، واستقبال عام جديد. كان عاماً راكداً يودع السكون ويستقبل السكون، بفرقعات نارية ملونة أسمعها في الخارج وأنا في دبي، كأن ابتهاجه كان مفتعلاً أو كأنه يحلب البهجة تفاؤلاً. سنوات قصيرة جداً، مرت وشارف عام آخر على الانقضاء، لكن يا لها من سنة مرت. منذ شهرها الأول حتى شهرها الأخير، لو أنك تفرجت على شاشات التلفزيون فيها دون صوت أو تعليق لهالك ما رأيت. لن تستطيع أن تفهم. حشود بشرية تملأ الشوارع، دخان، بكاء، رقص. لوحات ممتلئة بالغضب مرة ومرة بالنكات. عام معجون بالبكاء والبسمات، بالهزيمة والنصر، بالعزة والكرامة، بالسخط والإذلال، كل المتناقضات مجتمعة. ثورة بدأت في تونس بحريق وأغنية تقول «ياريس شعبك مات»، ثم تلتها ثورة ترفع النكات في القاهرة، ثم ثورة ترفع صوتها بالغناء في اليمن، ثم ثورة ترفع رشاشاتها في ليبيا، ثم ثورة تدبك بكعوبها في سوريا. بدأت الثورات بدخان وغازات، وانتهت بصناديق اقتراع، بدأت بخطابات وعيد من رئيس، وانتهت بقسم رئيس منتخب يعاهد الشعب على الحفاظ على حرية الإنسان وكرامة عيشه والعدل في مؤسساته.

إنه عام ولا كل عام، لم نعد نشبه فيه أنفسنا، ولم تعد الحياة هي نفسها ولا العالم هو نفسه، حتى تفسيراته بين الناس مختلفة. بعضنا يظن أنه حراك حي كسر اسمنت الجمود، وبعضنا ظن أنه الخراب الذي هدم الاستقرار. لكنه على كل حال حراك نفض الموت حين تساوى مع الحياة.

ليس كل عام جديد يشبه هذا العام، لكن مثلما تغيرت فيه أمور فإن بعضها سيبقى على حاله حتى حين، ظناً منهم أن البقاء كما أنت لا يزال خيارك. لا يزال هناك من يعاند وكأن التغيير هو لجام في يد أصحابه، لا يزال هناك من يظن أنه قادر على مواجهة تسونامي التغيير بالبقاء في البيت وهو لا يمتلك حتى خيار أن يقفل شباكه ولا بابه، وبدلاً من أن يصنع له سفينة نجاة كسفينة نوح عليه السلام، ويحمل فيها من كل زوجين اثنين، شرط الحياة الجديدة أن كل ما يفعله هو أن يقفل التلفاز، تماماً كما فعل كثيرون فاكتشفوا أنهم مثل القذافي لم يمتلك حتى حق الاختباء في «ماسورة» تصريف صحي، ولا حتى الموت بكرامة حبل مشنقة.

لا أريد أن أتذكر في هذا العام من خذلوا ومن خسروا، أريد أن أتذكر من انتصروا لحقهم في العدالة والكرامة والتغيير، حتى ولو كانت صناديق الاقتراع خالفت توقعاتهم، أريد أن أتذكر هذه الحصاة التي رميت في قلب المياه الراكدة الآسنة فجددت دوائر التغيير ماءها، وفتحت مساراً لتدفق ماء جديد. أريد أن أتذكر وجوه الشباب التي توردت بماء الحياة والتوق للمستقبل، الوجوه التي وقفت في الصفوف الهادرة تتحدث بحرية وبشجاعة، تلك التي عرفت أكثر، وقدمت أكثر مما فعل الجيل الذي قبلها. أريد أن أتذكر الوسائل الجديدة التي لم تجعل لجاهل عذراً ولا لمتسائل حيرة. كل شيء متاح لديك، تستطيع أن تعرفه وتعرف نقيضه وتعرف المتوسط بينهما وواجبك أن تختار. العام الذي مضى كان يحتاج لكثير من المفرقعات كي يخبرنا أنه رحل، وأن عاماً جديداً سيحل، لكن هذا العام لا يحتاج إلى أي مفرقعات، فمفرقعاته منه وفيه، حتى أصبحنا في يوم وداعه نحِنُّ للهدوء، وأمانينا وهي تودعه أن يكون القادم سعيداً ورحباً وفيه متسع للعيش بحرية، وكل عام وأنتم بخير.

* نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية