EN
  • تاريخ النشر: 18 نوفمبر, 2011

شيزوفرينيا السعوديين

monawat article

monawat article

يعاني المجتمع السعودي من تخبط في المطالبات التي يطلبها فئة معينة منه فإذا ما تحققت فإنهم ينقلبون عليها رافضين لبعضها أو للقرار برمته

نحن مجتمع غريب بالفعل؛ في أحيان كثيرة ينتابني شعور بأننا مصابون بالشيزوفرينيا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعاني كثير منا من حالة فصام يستعصي علاجها على أساطين العلاج النفسي في العالم.

طالبت النخب الثقافية السعودية لسنوات طويلة بانتخابات لمجالس الأندية الأدبية، وعندما تحقق لهم ما أرادوا انقلبوا على قناعاتهم التي سطروها على الورق عقودًا من الزمن، وبدأ فصام المثقفين أنفسهم بالظهور جليًّا بحشدهم التكتلات لصالح وجودهم وإقصاء غيرهم ممن لا يتفق مع رؤاهم أو حتى صداقاتهم الخاصة.

وهم المثقفين الذين لطالما طالبوا بانتخابات بلدية لسنوات طويلة أيضًا أنفسهم، وعندما بدأنا ننتخب بدأ صوتهم يتعالى: لماذا يفوز منتمون إلى التيار الديني دون سواهم؟! متناسين أنها انتخابات يحق للجميع خوضها، ولا يعني أنكم لم تفوزوا أنها لم تكن انتخابات حرة وشفافة، مع أنها قد لا تكون بالشفافية التي نتمنى، إلا أن سياق التكتلات عينه أفرز نجاح آخرين يعانون حالة الفصام نفسها التي يعانيها غيرهم من بني جلدتهم.

والمثقفين والنخب أنفسهم الذين سودوا صفحات الصحف عقودًا من الزمن بمطالبات قيادة المرأة للسيارة «أقطع يدي من مفصل الكتف» إن كانوا سيسمحون لزوجاتهم أو بناتهم بقيادة السيارة في شوارعنا. وأقول هذا الكلام وأنا مسؤول عنه، وقريب من كثير ممن تبنوا هذه المطالبات وأعرف رؤيتهم الحقيقية التي لم ولن تكتب في يوم من الأيام.

نحن السعوديين أكثر من يتذمر من بيع الرجال المستلزمات النسائية الداخلية، ونتضايق عندما يعرض رجل غريب ملابس نسائية خاصة على زوجاتنا وبناتنا، وعندما صدر القرار الحكيم بتأنيث المحال النسائية، تنافح بعضنا غضبًا على قرار لا يزال يمر بمرحلة مخاض عسيرة؛ تعوقه خشية البعض من أن يشيع الغزل والتحرشات في الأسواق «لا الرجال عاجبين ولا الحريم عاجبين، نجيب جن يبيعون لحريمنا ملابسهن مثلاً!».

نحن السعوديين الوحيدون في الدنيا الذين يسرقنا هوامير المساهمات الوهمية «تحويشة العمر»، ويلوذون بالفرار، ثم يعودون غدًا ليعرضوا علينا ما يسيل له لعابنا من أرباح في مساهمات وهمية جديدة، فنقترض من البنوك ونستدين من تجار الفوائد ونشتري سيارات بالتقسيط لنبيعها ونساهم في الوهم من جديد، ويسرقون «تحويشة العمر الجديدة» من جديد ويلوذون بالفرار، «ونصرخ ونولول ونصاب بالجلطات»، وإن كتبت لنا الحياة من جديد، سنساهم مع هامور جديد «ويا كد مالك خلف!».

التناقضات التي تظهر في المجتمعات تكون عادة مؤشرًا صحيًّا ودليل وعي وحراك اجتماعي أو ثقافي، لكنني أشك أن هذه النظرية أو الفرضية يمكن أن تنطبق بأية حال من الأحوال على المجتمع السعودي، على الأقل على من هم على قيد الحياة الآن، ربما تكون الأجيال القادمة متعافية من الشيزوفرينيا السعودية التي نعيشها الآن، واجتررناها تراكميًّا عبر أجيال تعاقبت على تربيتنا تربية أبوية لا مجال فيها لمخالفة من يكبرك بيوم واحد؛ لأنه أعلم منك بسنة، وديمقراطية الرأي والرأي الآخر في مجتمعاتنا المتعاقبة «إن لم تكن معي فأنت ضدي».

-----------

(*) نقلاً عن صحيفة عكاظ السعودية.