EN
  • تاريخ النشر: 20 ديسمبر, 2011

سحر الشعر

monawat article

monawat article

إذا كان الشعر قد تجلى حضوره بالنطق المسرحي المؤسطر في زمن تألق المسرحيات والملاحم الأسطورية اليونانية، فإن الشعر ومع تعاقب العصور والقرون عليه أخذ يتحول الى كائن حبري نائم بين دفتي كتاب

(خليل قنديل) لكأن الشعر ولد منطوقاً أو جهرياً، هذا ما تشعر به وأنت تقلب أي ديوان شعري بطريقة قرائية مُصمتة، ذلك أنك تشعر بأن المعاني داخل حرف الحبر تعاني من الاختناق والرغبة في أن تنطق.

وربما بسبب هذا ظلّ الشعر الذي ينطقه الشعراء العرب في أسواقهم الشعرية التاريخية وبين جماهيرهم وأمام السلطان أو الخليفة يُلقى شفاهة، فيبدو الشاعر لحظة الإلقاء كأن الشعر يتخلق على لسانه للتو! وربما من هنا استغاث أحد فحول الشعر العربي القديم بالرجل الذي اكتشف أن الشاعر ذاته يحمل قصيدة مكتوبة بخط اليد قائلاً له « لا تفضحني ".

وإذا كان الشعر قد تجلى حضوره بالنطق المسرحي المؤسطر في زمن تألق المسرحيات والملاحم الأسطورية اليونانية، فإن الشعر ومع تعاقب العصور والقرون عليه أخذ يتحول الى كائن حبري نائم بين دفتي كتاب، وصار يمكن أن يقرأ بصوت الصمت وهسيس القراءة الخافتة.

وفي زمن التحولات المريعة التي بدأت كأنها تزلزل كيان الشعر السائد في زمن ثقافة الصورة وقدرتها على اختصار العديد من القصائد العظيمة في مشهد واحد، تحمله عبر الفضائيات ووكالات الأنباء في صورة واحدة، فإن الشعر بدا كأنه يدافع عن حضوره الحضاري وسحره الخاص وهو يتخلق في بعض الأمسيات الشعرية، في مشهدية ممسرحة ترافقها الإضاءة المؤثرة والموسيقى والغناء أيضاً، بحيث يبدو الشعر كأنه يسترد مربعه الأول « مربع المسرحة والأسطرة المؤثرة ».

ويبدو أن الشاعرين محمود درويش وأدونيس قد تنبها مبكراً لاحداث مثل هذه المشهدية الأخاذة، حينما كانا يمزجان أمسياتهما الشعرية بعزف موسيقي منفرد يرافق أمسياتهما الشعرية.

وقبل أسبوعين استضاف المركز الثقافي العربي في عمان الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في أمسية خاصة، وبرفقتها الفنانة الأردنية مكادي النحاس، وحينما ذهبت الى الأمسية كنت أعتقد أن الشاعرة جمانة حداد ستلقي بعض قصائدها، ومن ثم تغني مكادي النحاس بعض أغانيها ذات الطعم الفيروزي الجميل، لكني أعترف بأني قد أصبت بالدهشة الكاملة حينما وقفت جمانة حداد في مناخ مسرحي بتسريحتها الأسطورية وبملامحها الأنثوية المُنمنمة، وتحت الإضاءة الخافتة وهي تلقي شعرها عن « ليليت »، بينما تبادلها مكادي النحاس النطق الشعري في حوارية شعرية منحت الشعر والقصائد بهاءً خاصاً. وقد أدركت لحظتها أن الشعر مثل طائر الفينيق تماماً قد يشعرك بأنه تبدد في الرماد، لكنه سرعان ما ينتفض ويتشكل حياً من جديد. إنه سحر الشعر

* نقلا عن الإمارات اليوم