EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2011

ذات الهمة.. سيرة ثائرة

المرأة العربية كانت لها درو كبير في الأحداث التي تصنعها الشعوب ، ونترك لكم قصة "ذات الهمة" لمعرفة بعض ما قدمته المرأة.

 

 

 لم يفاجئنا دور المرأة العربية في الثورات، بل إنه يستدعي أن نتعرف أكثر إلى ما قدمته المرأة العربية من ريادة ثورية عبر تاريخنا، وقد صعد هذا الدور إلى المستوى الملحمي، وأبرز شواهده الحية في الوجدان العام ما نجده في سيرة هي من أجمل وأرقى وأطول ما حفظ لنا التاريخ الشعبي من أدب الملاحم، وأقصد سيرة (ذات الهمةالتي اختلط فيها التاريخ الرسمي مع المخيلة الجماعية فأنتجت ملحمة وطنية لا تزال ملهمة وحية في أدبنا الشعبي، من دون أن نعرف لها مؤلفاً، فقد تداولتها القلوب والعقول على مر القرون، وحين دونت تجاوزت ستة آلاف صفحة، وزعت على نحو سبعين فصلاً. ولعل أفضل مرجع معاصر لها هو ما جمعه شوقي عبد الحكيم عام 1996. وتبدأ أحداث ملحمة ذات الهمة في عصر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان منتصف القرن الهجري الأول، وتستمر حتى نهاية عصر الخليفة العباسي الواثق، وهي تغطي قرناً ونصف القرن تقريباً من حكاية الصراع بين العرب المسلمين وبين الروم البيزنطيين الذين لم يتوقفوا عن تهديد أطراف الدولة الإسلامية.

وتبدأ الملحمة قبل ولادة فاطمة بنت مظلوم بن الصحصاح بن الحارث الكلابي، التي ترعرعت في أحضان قبيلة فلسطينية ثم اشتهرت بلقبها (ذات الهمة). والسيرة ذات مقدمات طويلة مشوقة عبر تداخل صراعاتها، وهذا ما جعلها عملاً فنياً بارعاً في حبكته الدرامية الناضجة. وتبدأ أحداثها في قبيلة شهيرة في تاريخنا هي قبيلة كلاب، حيث الصراع على السلطة، في كنف الدولة الأموية الناشئة القوية، وحيث التقرب من الخليفة، يوقع فتنة بين قبيلتي كلاب وسليم. ومنذ البداية يكشف المؤلف (المجهول) عن موهبة فذة ونادرة في الإثارة الدرامية، فزعيم سليم يقتل الحارث زعيم كلاب، ويريد أن يضم إليه زوجة خصمه وهي حامل، إذلالاً للقبيلة كلها، مما يضطر الأميرة إلى الهرب مع عبد لها إلى الصحراء، لكن العبد يحاول اغتصاب سيدته، وهي تقاوم تعذيبه لها، وأثناء العراك تضع حملها طفلاً تطوق عنقه بتميمة كتبت عليها نسبه، فلا يجد العبد وسيلة لطمس معالم جريمته سوى أن يقتلها، ويترك الطفل وحيداً في الصحراء وقد ظن أنه مات مع أمه. وتبدأ فصول السيرة بالصعود مع حكاية هذا الطفل الذي يمر به أمير في رحلة صيد، يقرأ التميمة ويعرف أن الطفل هو ابن الحارث زعيم كلاب المقتول. ويربي الأمير الطفل حتى يكبر ويصير فارساً، ويسميه جندبة ويعرف الفتى حقيقة نسبه، ويتزوج أميرة من القبيلة ويمضي لينتقم لدم أبيه، لكن يواجه عصابة لصوص فيقتل، وتبقى زوجته وابنه (الصحصاح) منها ليتابع مسيرة أبيه. وهذا الصحصاح سيكون جد ذات الهمة، بنت مظلوم الذي تتابع السيرة صراعه مع أخيه ظالم.وهكذا تفاجئنا السيرة بقدرة بارعة على بناء تمهيد درامي يتم توظيف كل حادثة فيه لإشادة بناء تراكمي فوقه، والهدف في هذا السرد جذب اهتمام السامع للسيرة المغناة، ومنح أبطالها ذاكرة وتاريخاً شخصياً يرسخ دوافع الصراع، وهو يقسمه إلى قسمين حادين صريحين حتى في التسميات، فهو صراع يدور بين شقيقين هما (ظالم ومظلومولابد أن تكون ذات الهمة بنت مظلوم كي يناصرها الوجدان، ويتعاطف مع سيرتها السامعون.

ورغم طول المقدمات، فإن حكاية ذات الهمة تبدأ حين تصير فاطمة بنت مظلوم صبية، وتتعرض للظلم الشديد من قبل عمها ظالم بعد أن قتل أبويها، فتضطر للهرب والعيش في كنف قبيلة أخرى، مخفية نسبها. وهذا مألوف في القص لكونه يجعل السامع متلهفاً للمفاجآت، وحين تعلن فاطمة عن نسبها الرفيع في قبيلتها الأم، ويرى الناس فروسيتها ينتخبونها قائدة لجيوشهم. وتبرز ذات الهمة وهي تقود جيوش المسلمين إلى الثغور ضد الروم. وتستمر السيرة إلى ما بعد سقوط دولة بني أمية، وظهور العباسيين، ليتابع مع ذات الهمة ابنها عبد الوهاب، ولتصل السيرة إلى مواجع في التاريخ مثل فاجعة البرامكة في عهد الرشيد عبر توظيف سياسي متقن. كما تتابع السيرة رصد الأحداث الكبرى فتغطي حدثاً ضخماً هو فتح عمورية زمن المعتصم في تسلسل يحافظ على الفن أكثر مما يحافظ على الـتأريخ الرسمي، ولكنه لا يخرج عن إطاره الزمني وعن المنقول والممكن فيه. ولقد انتقلت هذه السيرة من سواحل سوريا وفلسطين إلى مصر وصار المغنون ينشدونها شعراً مع ألحان الربابة في مسلسلات الليالي الحكائية، قبل أن يظهر المسلسل التلفزيوني بقرون.

 

 

نقلا عن مجلة المرأة اليوم