EN
  • تاريخ النشر: 07 يناير, 2012

حرائق

monawat article

monawat article

من سخرية القدر أن تشهد مصر فاجعة احتراق المجمع العلمي ومعه آلاف المخطوطات والكتب التراثية النادرة،

  • تاريخ النشر: 07 يناير, 2012

حرائق

(سامر أبوهواش)  

من سخرية القدر أن تشهد مصر فاجعة احتراق المجمع العلمي ومعه آلاف المخطوطات والكتب التراثية النادرة، في الوقت بل في اليوم نفسه - الذي يشهد فيه العراق انسحاب الجيش الأمريكي بعد تسع سنوات من احتلال، كان قد بدأ بفاجعة ثقافية أخرى تمثلت في نهب وسرقة آثار حضارة ما بين النهرين التي ما زالت السلطات العراقية تحاول استعادة بعضها. وفي معرض الأحداث الكبرى ربما يقول قائل إن التحولات التاريخية في الحالتين، وما رافقهما من خسائر باهظة في الأرواح، وما نتج عنهما، تجعل من فقدان بعض المنحوتات أو بعض المخطوطات أمراً ثانوياً. مخطئ من يظنّ ذلك. فالمنحوتات والمخطوطات لها أرواح هي الأخرى ومتى زهقت يغدو من المستحيل استعادتها أو التعويض عنها.

هكذا، وبعد مئات السنين، فإن أكثر ما يذكره التاريخ من الغزو المغولي للعراق، وبصرف النظر عن بعض المبالغات التي ربما تشوب ذلك على ما يذهب إليه اليوم بعض المؤرخين، هو حرق ونهب مكتبة بغداد، كما أن أكثر النواحي إيلاماً في ما سمي «بحروب الاستعادة» في الأندلس، والتي كانت في النهاية جزءاً من الحروب الصليبية، هو حرق مكتبات الأندلس، وبالعودة أكثر من ذلك إلى الحضارة الرومانية، فإن البشرية لا تنسى حرق مكتبة الإسكندرية التي قضت على الإرث المعرفي والعلمي والحضاري للعالم القديم.

عبارة «كثيرة هي الشواهد أو الأمثلة المشابهة...» لا تنطبق في هذه الحالة، بل الأصحّ القول «قليلة هي الشواهد»، تدليلاً على حجم الفاجعة التي شهدها زمننا المعاصر متمثلة بحرق المجمع العلمي، وهو ما سيبقى أثره حارقاً مؤلماً لزمن طويل آت. فالمعارف في نهاية المطاف هي ثمرة عمل بشر تعاقبوا على المدن والحضارات والدول وحتى المجتمعات ليذكرونا بأحد أهم معاني وجودنا في هذا الكون، بل ليسبغوا على هذا الوجود قيمة تتجاوز الواقع اليومي المعيش، وهي تسجيل مظاهر هذه الحياة الفكرية والمادية والوجدانية، لمن سيأتون بعدنا ممن سيعملون على تطوير أفكار بقيت في أطوارها الأولى، ويجدون حلولاً لمعضلات استعصت على البشر في حينه. ربما أحد الدروس الأخرى غير المباشرة للإرث البشري، يتعلق بالتواضع: من بين ما قضت عليه حرائق المجمع العلمي في القاهرة كانت مثلاً مخطوطات «وصف مصر» التي كان يفترض بها في حينه أن تكون جزءاً ثانوياً من حملة نابليون على مصر. انتهت الحملة ورحل نابليون، وبقيت المخطوطات شاهدة على تلك الحقبة.

بعد قرنين من الزمن، ورغم كل ما شهدناه من تطور وتقدّم في مجال حفظ التراث المعنوي والمادي للبشرية فقد شهدنا فقدان هذه المخطوطات. خسارة لا تعوض بكل معنى الكلمة، لكن ربما لا ينفع الرثاء الآن بقدر ما تدعو الحاجة إلى التفكير الجدي، في مصر وسواها، في سبل أنجع لحفظ كنوز الإنسانية النادرة وحمايتها من أن تجرف، كالعادة، في خضم التحولات الهائلة.

 

 

مجلة المرأة اليوم