EN
  • تاريخ النشر: 07 ديسمبر, 2011

بلاغة الحب

علي العامري

علي العامري

الكاتب يؤكد صعوبة الوصول إلى تعريف محدد لكملة الحب مشيرا إلى أنه مهما حاول الإنسان تعريف الحب، لن يجد تعريفًا محددًا

(علي العامري)  

في صباح هادئ مثل نغم أليف، جلست مع صديقين لي في الفضاء الخارجي لمقهى على قصباء الشارقة، على الطاولة قهوة وماء وصحف، وأمامنا تترنم النافورة الموسيقية، وتتمايل في رقصة مائية قدام "عين الإماراتتلك العجلة الدوارة التي تشبه ساعة عملاقة في معصم الهواء.

أصبحنا جيران النافورة، نتحدث في موضوعات متعددة، والعجلة تدور، والمياه تتراقص، والقهوة تقل شيئًا فشيئًا في الفناجين، وقبل يومين، جلسنا هناك، وكان غمام في صفحة السماء مثل أبجدية قديمة لا يفك حروفها غير عشاق. هكذا تتكون المشاهد في مشهد، وتتداخل الحروف في الكتاب الأزرق العالي مثل روحين في لحظة شهيق. كان المشهد يقودنا إلى حديث ما، يقترن فيه الماء بالنار، انه الحب الذي يعيشه الإنسان لكنه من الصعب أن يقف عند تفسير محدد له، أو معنى محدد وواضح له. الحب هذه العاطفة التي تجمع في كينونتها كل العواطف النبيلة، إنه خارج قاموس التعريف، وخارج معاجم اللغات، وخارج عن الوصف المحدد. كما يفيض الحب، تفيض معه المعاني الدافئة، فلا أظن وجود عاشق يقبل الكذب أو الظلم أو البخل أو الخداع أو القتل أو السرقة أو الكراهية أو الضغينة، فالحب جامع الصفات الشفيفة، وجامع المعاني الإنسانية. وهو أيضًا لا يمهل، بل يجتاح، لكنه أجمل الاجتياحات هو، من دون جنود وبنادق وطائرات حربية ومن دون رصاص ومن دون إجبار، فلا إكراه في الحب أيضًا. ولا يمكن أن يجبر إنسانا طفلًا على أن يحبه، ولا يمكن إجبار شجرة على أن تميل بظلالها باتجاه أحد، ولا يمكن أن يصوب إنسان فوهة مسدس إلى قلب آخر ليجبره على حبه، مثلما نشاهد على شاشات الدم في بلاد الثورات، إذ يظن بعض الحكام أنه بالقتل يقدر على استمالة قلوب شعبه، وكأنهم لا يعرفون أن الحب فيض قلب لا يعرف التدجين ولا يعرف الحدود. الحب هدام حصون منيعة، حين يفيض، ويجتاح ويزلزل ويضيء ويبهج ويزهر ويتفتح ويتألق ويذيب المعدن والحجر. وكان عاشق يقول دائمًا إنه سيكتب على قميصه عبارة " لست حجرًا في إشارة إلى أنه لا يتوقف عن الحب بكل معانيه غير المحدودة، حب الجمال والإنسان والطبيعة والأمل.

في ذلك الصباح، صار الكلام يجر الكلام بيننا، عن بلاغة الحب، وهناك من قال إن الحب يغفو، لكنه يشعشع مثل لؤلؤة في عتمة البحر. ومهما ابتعد الإنسان في حياته اليومية وتفاصيلها، يظل قلبه قابلًا للتوهج أو الزلزلة أمام " الكائنات اللطيفة " وأمام الجمال الذي يحرك الروح ويجعلها شعشعانية تضفي بهجة استثنائية على الآخرين. ولا يتوقف الحب عند عتبة البشر، بل إنه يداهم حتى النباتات. وقد ذكرت دراسة أن الأشجار تحس بعاطفة من يرويها بلطف، وتنفر ممن يخدش خضرتها. وكان كتاب أدهشني حين قرأته، وهو يتناول " اللغة السرية للنباتات إذ يبين أن لدى الأشجار مقاومة خاصة تدافع بها عن نفسها في حال تعرضت للأذى. وأورد الكتاب قصة عن حيوانات كانت تفضل أكل أوراق من شجر معين، وتنهشها، وهي معتادة على ذلك. ولكن المفاجأة، جاءت بعد سنوات، لاحظ الأهالي نفوق قطعان من تلك الحيوانات، وبدأت الفحوص والتكنهات والتدقيق في مصادر غذاء تلك الحيوانات، فتبين أنها لم تتغير، وهي تواصل أكل أوراق تلك الأشجار، ولكن المفاجأة كانت في اكتشاف ان الأشجار أصبحت تفرز نوعًا من السم، دفاعًا عن روحها وظلالها وحياتها وخضرتها، إنه نوع من الحب أيضًا، إنه تدافع عن الحياة. أليس كذلك؟ ومهما حاول الإنسان تعريف الحب، لن يجد تعريفًا محددًا ومؤطرًا، لأن الحب خارج التأطير، ومع الحرية والحياة والهواء الطلق.

* نقلا عن الإمارات اليوم