EN
  • تاريخ النشر: 26 ديسمبر, 2011

انقلابنا اللغوي

خليل قنديل

خليل قنديل

لغتنا العربية التي يمكن اعتبارها من أغنى اللغات العالمية من حيث إمكانية النطق والتعبير والاستعارات النادرة،باتت مهددة بالفعل بانقلاب يمكن له أن يجعلها لغة تاريخية رثة

  • تاريخ النشر: 26 ديسمبر, 2011

انقلابنا اللغوي

(خليل قنديل) اللغة العربية التي ظلت مصونة ومقدسة، والتي تظل تتحدى الانقراض مثل بقية اللغات في العالم بحكم نطقها القرآني، وحصافتها التاريخية عبر قرون طويلة، ظلت هذه اللغة عصية على الاستعمال اليومي في اللهجات الدارجة في كل أصقاع الوطن العربي، إذ بقيت لغة موجودة على الرف فعلًا، ولا يتم استعمالها إلا في المدارس والمعاهد والجامعات، وفي اللغة الرسمية للدول العربية وفي الخطاب الإعلامي والبيانات الحزبية والخطب الدينية والسياسية، وبالطبع ضمن الإبداعات الأدبية كتحصيل حاصل.

وليس من الغرابة القول إن الواحد منّا حينما يجد نفسه في محفل خطابي جمعي فإنه يتوجه تلقائيًا إلى ذاكرته اللغوية المبنية على الفصحى، كي ينهل منها ما يريد، ولا غرابة أيضًا في أن العربي حينما يتجه نحو هذا المخزون اللغوي التاريخي، يجد اللغة الجاهزة، التي قيلت قبل آلاف السنين ويستعملها في مضارعنا القائم، من دون أن يشعر بالفارق الزمني لحداثة النطق أو قدمه.

لكن في المقابل فإن اللغة التي تسري في عروقنا والتي نفكر بها وربما نحلم بها ونحن نيام هي اللهجة الدارجة، فضلًا عن كونها لغة التخاطب بين كل المواطنين العرب، وبالتالي فإن اللغة العربية الفصحى والمنشأة هي لغة محفوظة في الكتب وعلى الأرفف وفي الحبر وفي الشفاهية التي تتطلب حضورها في معظم المحافل الخطابية، وهذا ما جعل اللغة العربية تستقر في فقهيات مجمعات اللغة العربية التي ينكب رموزها على استنباط الكلمة العربية المناسبة لكل جديد أو لكل منجز تكنولوجي.

وعلى هذا الأساس من التعامل المرتجف مع اللغة يمكن لنا أن نلاحظ أن لغتنا العربية بدأت تُخترق بحيثيات عصرية جديدة، وأن معظم منطوقاتنا اللغوية على مستوى التخاطب بين الافراد، وعلى مستوى اللافتات التي تزين محالنا التجارية، وإعلاناتنا على البضائع صارت تكتب باللهجة العامية الصرفة.

ومن يستمع إلى بعض أجهزتنا السمعية والبصرية من فضائيات ومحطات إذاعية سيلحظ بالتأكيد هذا الجنوح الرغائبي المُعلن للنطق باللهجات العامية لكل بلد عربي، على اعتبار أن هذه اللهجات تحتمل الخفة والغنج اللذين لا تحتملهما الفصحى العربية، هذا عدا اللغة الدارجة في المدونات، وهي لغة قاسية في أخطائها الإملائية، وجنوحها نحو العامية بما يُشبه التعمد.

إن لغتنا العربية التي يمكن اعتبارها من أغنى اللغات العالمية من حيث إمكانية النطق والتعبير والاستعارات النادرة، التي تحولت بحكم جمال شكلها إلى مدرسة "حروفية" في فن التشكيل العربي، باتت مهددة بالفعل بانقلاب يمكن له أن يجعلها لغة تاريخية رثة لا تقيم إلا فوق الأوراق الصفراء التي أكل الدهر عليها وشرب.

* الإمارات اليوم