EN
  • تاريخ النشر: 30 ديسمبر, 2011

المزمار الزهيد

عبد الله الجعيثن

عبد الله الجعيثن

الوقت أثمن ما يملكه الناجحون.. ويجب استثماره على أحسن وجه من الكفاح مع الابتسام، إلى قضاء الوقت الطيب مع الزوجة والولد، وقبل هذا أداء حق الله عز وجل، ثم حق الجسد في الرياضة والراحة والاستجمام

(عبد الله الجعيثن)  

    في السابعة من عمري رأيت مزماراً معروضاً في متجر ألعاب فسحرني.. دخلت على البائع وقدمت له جميع نقودي وأنا أقول: أرجوك أعطني هذا المزمار.

عدت بالمزمار إلى البيت سعيداً ودخلت به مزمراً، وحين علم اخواني ما دفعت فيه من ثمن ضحكوا ساخرين وقالوا: إنه لا يساوي عشر هذا الثمن.

بكيت من القهر والحنق، وتحولت سعادتي إلى تعاسة.. واليوم، وأنا في السبعين من عمري، أرى ورأيت رجالاً كثيرين يدفعون أثماناً باهظة جداً مقابل مزمار زهيد: يتلفون، صحتهم ويحرقون أعصابهم ويضيعون أجمل أوقاتهم في سبيل مثل ذلك المزمار الزهيد، يبيعون الغالي بالرخيص.

هذا جزء مختصر من تجربة رجل الأعمال الشهير «بنيامين فرانكلين» الذي بنى له في أمريكا امبراطورية مالية كان منشؤها استفادته من شراء المزمار وهو طفل، إذ تعود أن يزن الأمور، وأن يقدر الأشياء حق قدرها بهدوء واتزان، وأن يقدم الأهم على المهم، وهو يرى ان الانشغال بالتوافة يأكل الصحة ويقرض الوقت ويقصر العمر ويفسد السعادة..

إن كثيرين ينشغلون بجدل عقيم حول سعر سهم ما، ويتحدى بعضهم بعضاً، ويتجادلون أيضاً حول السوق ككل، ويتعبون في أمور لا تفيد،يبيعون من أجلها راحتهم وسعادتهم، وقتهم وبصيرتهم، فحين يسود الجدل يعمى البصر ويقل العمل.

إن الناجحين لا يدخلون في جدل عقيم، ولا يشترون الرخيص بالغالي، ولم يعتادوا على الثرثرة وهدر الوقت والجهد واستهلاك الأعصاب، بل هم يعملون بوحي من بصائرهم ويعتمدون - بعد الله عز وجل - على جهودهم الذاتية، ويوازنون الأمور فلا تطغى شهوة المال على صوت الضمير، ولا تأخذ مساحة العمل حق القلب والعقل والبدن والأهل.

إن الوقت أثمن ما يملكه الناجحون.. ويجب استثماره على أحسن وجه وملؤه بأداء الأمور المبهجة من الكفاح مع الابتسام، إلى قضاء الوقت الطيب مع الزوجة والولد، وقبل هذا أداء حق الله عز وجل، ثم حق الجسد في الرياضة والراحة والاستجمام.

نقلاً عن صحيفة الرياض السعودية