EN
  • تاريخ النشر: 17 ديسمبر, 2011

المتسول الأعمى والربيع

يوسف ضمرة

يوسف ضمرة

الكاتب يتساءل هل الربيع فعلا على أبواب العالم العربي؟ وهل سنستمتع حقاً بالربيع الذي هو على الأبواب؟

(يوسف ضمرة) كان على جسر بروكلين في نيويورك متسول أعمى، علق على عنقه يافطة كرتونية صغيرة، كتب عليها «أعمى منذ الولادة». فمر به رجل وسأله: كم تجمع يومياً من المال؟ فأجاب المتسول: قليلاً.. ما بين دولار واحد واثنين فقط. وهنا تناول الرجل اليافطة الكرتونية، وكتب على الجهة الأخرى كلمات أخرى وعلقها، ثم قال للمتسول: سأمر بك بعد شهر، وتخبرني عن الحال.

وبعد شهر مر الرجل وسأل المتسول، الذي أخذ يشكره ويسأله عما فعل، لأن دخله اليومي ارتفع إلى ما يقارب الـ15 دولاراً في اليوم. فقال الرجل: كتبت «الربيع على الأبواب، وللأسف، فإنني لا أستطيع الاستمتاع به».

عن مجلة الفكر العربي ـ العدد الأخير.

تأتي هذه القصة في سياق بحث عن الحِجاج اللغوي، أي دور اللغة في التأثير في المتلقي، لإقناعه بفكرة ما، أو تغيير مفهومه عن فكرة ما، أو حدث ما، أو تكريس مفهومه عن فكرة ما، أو واقع أو حدث ما، بصرف النظر عن النسق الذي جاءت فيه الفكرة، أو الحدث أو الموضوع المراد التركيز عليه، سياسياً كان أو اقتصادياً او اجتماعياً أو ثقافياً.

هنا يتم التركيز على اللغة فقط، الكلام المقروء أو المنطوق، أعني في هذا البحث تحديداً، رغم أنه يشير إلى أدوات أخرى أصبح من الممكن استخدامها في الحجاج، كالصورة ووسائل الاتصال التكنولوجية الحديثة. وليست مصادفة أن تخصص المجلة عددها الأخير لهذا الموضوع، الذي كتبنا عنه من قبل مقالات عدة، من قبل أن نشاهد المجلة نفسها، فكتبنا عن الفكرة والإيحاء، وعن قوة الصورة وأسباب تلك القوة الخفية، وغير ذلك. وكانت تلك الكتابات متعلقة كلها بموضوع الربيع العربي، وما جرى ويجري في عدد من بلدان العالم العربي، ما يسمى بالثورات، وما إلى ذلك.

فقد جرى استخدام اللغة في هذا السياق، كما لم تستخدم من قبل، وكان الغرض كله محاولة إقناع القارئ بما يريده المرسل، أو «الإبتوس» بالإغريقية، من خطاب تسميه الإغريقية «اللوغوس».

وعندما نقول: كما لم تستخدم من قبل، فهذا يعني أن التلاعب بالكلمات، والكذب في استخدام اللغة، والإيحاء بالكلمات، كله كان ولايزال قيد الممارسة اليومية على متلق ينتمي إلى جهات عدة، العربي عامة، والقُطري، والعالمي. وقد تبين أن اللغة قادرة على التأثير في المتلقي بقوة أكبر من أي مادة أخرى، فما بالك حين تكون اللغة مقرونة بالصورة؟

واللغة المستخدمة هنا هي لغة النثر لا الشعر، لكنها لغة محملة بشحنة عاطفية مؤثرة، فأنت هنا لا تكتفي بصياغة خبر عن حدث ما، بغض الطرف عن الدقة والموضوعية، لكنك تقوم بصيغة خبر مشحون عاطفياً، لكي يؤدي دوره في المتلقي. فعبارة« أعمى منذ الولادة» ليست مثل عبارة «الربيع على الأبواب، وللأسف، فإنني لن أتمكن من الاستمتاع به». ففي الأولى تستخدم لغة مجردة تشبه الرياضيات، كالقول إن: واحداً زائد واحد يساوي اثنين. وهذه حقيقة معروفة للجميع. والحقائق المعروفة قلما تؤثر عاطفياً في المتلقي، لأنها شائعة وثابتة.

وإذا كتب الرجل إن الربيع على الأبواب... إلخ، فهي مصادفة عظيمة تنطبق على ما يحدث في العالم العربي، إذ من الطبيعي أن نتساءل: هل سنستمتع حقاً بالربيع الذي هو على الأبواب؟ بل ربما نسأل: هل الربيع حقاً على الأبواب؟.

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم