EN
  • تاريخ النشر: 01 يونيو, 2012

"موبايل» وحقيبة وعصير

monawat article

يفترض بالأعمال التلفزيونية، والكلام هنا عن الواقعية منها، أن تجسد الواقع بكل تفاصيله، فالفيلم أو المسلسل قبل أن يكون قصة أو حكاية هو تمثيل لعالم، لأناس يأكلون ويشربون

  • تاريخ النشر: 01 يونيو, 2012

"موبايل» وحقيبة وعصير

(ندى الأزهري) ما إن تظهر حقيبة في أي فيلم أو مسلسل تلفزيوني حتى يتركز جل اهتمامي عليها. حينها من غير المجدي محاولة شد انتباهي لأمر آخر. سأكون فضولية جداً لمعرفة كيف سيتم التعامل مع تلك الحقيبة؟ كيف ستُحمل وكيف ستُملأ؟ والإجابة في الحالتين: كيفما كان. بالنسبة إلى شخص يسافر كثيراً، فإنه سيشعر لا ريب بالغيظ من طريقة الممثل أو الممثلة في ترتيب حوائجهم في الحقيبة، فهم يرمون الثياب من دون أن يلقوا نظرة عليها، إن كانت مثلاً تناسب رحلتهم والمشاريع التي سيقومون بها خلال سفرهم. وإن كانوا غالباً ما يقومون بهذا لأن الموقف «الدرامي» من غضب أو حزن أو حرد يستدعي منهم ذلك، فهذا ليس بمبرر للتصرف على هذا النحو من الإهمال! ثم تظهر الحقيبة في المشهد التالي وكأنها فارغة وليست كما بدت في المشهد السابق مترعة عن آخرها! لنتغاض عن هذا التفصيل ونسلم جدلاً أنها مترعة ونتابع الممثلة وهي تحمل الحقيبة. تنزل الدرج بكل استقامة وخفة وكأنها تقوم بنزهة مع حقيبة يد أو كيس خفيف، ثم تقف في البهو لتوديع من تشاجرت معه، على سبيل المثال لا الحصر. تتوقف لكلمة أخيرة وترشقه بنظرة مستعطفة، ودائماً الحقيبة الضخمة في حوزتها. الأمر العادي في هذه المواقف أن يضع الشخص ما يحمله أرضاً ليتخلص من الثقل ولكن لا! فهي تظل تحكي وتتجادل مع الطرف الثاني من دون أن تشعر بثقل هذه الحقيبة المحمولة، ومن دون أن يفطن الشخص الآخر لتنبيهها والقول لها: «ولكن يا إلهي دعي هذه الحقيبة الملعونة تستقر أرضاً!». طبعاً، سيبدو الحوار سخيفاً بجملة كهذه وسينقطع المسير الدرامي للمشهد بعبارات فارغة كتلك...

أما الطعام، فمن يرى مشاهده في المسلسلات العربية يظن أن ناس المنطقة يتعففون عنه، اذ تفرد سفرة عامرة ثم تقطع الوجبة لسبب «درامي» ما، وبشكل عام لا «نفس» لدى الممثلين للأكل. لكن نظرة على حجم الممثلات والممثلين تكفي للتكذيب المفجع. وينطبق الأمر على مشاهد تناول القهوة والعصير «الفريش» (وما بها كلمة طازج؟).

أما «الموبايل» ( لم ليس الخليوي؟) فبات «شخصية» لا غنى عنها في الاعمال التلفزيونية، وهو بطل لا يخلو مشهد منه، وقد رُكن الهاتف الأرضي على جنب ونفي من الوجود رغم تواجده في الحياة الواقعية. هنا القصد، إذ يفترض بالأعمال التلفزيونية، والكلام هنا عن الواقعية منها، أن تجسد الواقع بكل تفاصيله، فالفيلم أو المسلسل قبل أن يكون قصة أو حكاية هو تمثيل لعالم، لأناس يأكلون ويشربون... وما يعطي القوة للعمل الفني هو تجسيده الدقيق لهذه الحياة، والاعتناء بهذه التفاصيل، فرواية القصة لا تكفي لذلك وإلا اكتفينا بالمسلسل الاذاعي، ومن لا يدرك هذا ربما يكون قد فاته الأهم.

* نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية