EN
  • تاريخ النشر: 13 أبريل, 2012

"مليونير.. ومديونير"!

الكاتب  يوسف الكويليت

يوسف الكويليت

في مجتمعنا مظاهر سلبية كبيرة رفعت مستويات الأغنياء إلى حدود غير معقولة، وقرَّبت الفقراء من الخط الأحمر، والطبقة الوسطى تآكلت بين طرفي المعادلة إن لم تكن تلاشت.

  • تاريخ النشر: 13 أبريل, 2012

"مليونير.. ومديونير"!

(يوسف الكويليت) التغير السريع في سلوكنا قلَب كثيرًا من عاداتنا بحيث تنوعت في مجتمعنا ثقافة التقشف لمتوسطي الدخل والفقراء، إلى الإسراف غير المحدود للطبقات الميسورة والغنية؛ فقد أخذت الأسر تقلّد بعضها وتغار من تقلب ظروفها المختلفة، وتوازي دخولها. نبني بيوتًا فوق حاجاتنا.. فائض غرف وملاحق وأثاث يبدَّل كلّ سنتين، وخادمات وسائقون، ورجيع ملابس بعضها لم يستعمل تذهب إلى جمعيات خيرية، أو تُقذف في الشارع، وفوائض أخرى للأغذية، سواء بالمبالغة في موائد الزيجات، أو تكريم الضيوف الذي زاد على منطق الكرم إلى الإسراف. سيارات للعائلة ولكل ابن تخطى مرحلة المتوسطة.. وهواتف نقالة تغير حسب «الموديل».. وحواسب تستبدل حسب توسع خدماتها.. و«تلفزيونات» في الصالات والغرف. المرأة تختار فستانًا للزيجات من خمسة آلاف إلى عشرين ألفًا تُلبس ليلة واحدة، ومعها حقائب وأحذية وأقراط وحليّ وساعات ومزينات للشعر والوجه والأظافر، وبحساب متوسط نجد كلفة الليلة الواحدة تزيد على مائتي ألف ريال، هذا عدا العطور وأدوات التجميل والعباءات المطرزة، ورحلة المناسبات في كل عطلة حسب مستوى البلد ومصروفاته. الرجل لا يقل عن المرأة في الملابس والساعات وغيرها، بل حدث تصنيف طبقي حول المجالس والمناسبات حسب الأرصدة والدخول؛ إذ تشهد في عرس «أرستقراطي» أنواعًا من السيارات تتراوح قيمها بين ثلاثمائة وخمسمائة ألف، ودعنا من الثياب والساعات وغيرها عندما تتحول المظاهر إلى سلوك مصطنع، وتجد البعض في مشوار عمره لا تتعدى قراءاته عشرات الكتب إن لم تكن آحادها، ولا يعرف من الثقافة العامة إلا الاستهلاك وجني الأرباح. الطبقة الصغرى وما تحتها تركض لإيجاد عمل ومسكن صغير وسيارة من المرآب أو الرجيع الذي يباع مستعملاً، ويوازن بين مصروفاته الغذائية وفواتير الكهرباء والهاتف والماء. هذا إذا لم يقصم ظهره الإيجار وتكاليف الزواج. وتذهب الطبقة الفقيرة والمتعففة إلى البحث عما يستر أحوالها، بالاستدانة أو لصناديق المعونات، وتعليم الأبناء في المدارس الحكومية المكتظة فصولها بعشرات الطلبة التي تجمع طبقة الفقراء ومن يماثلهم، والاستشفاء في مستوصفات الدولة ومراكزها الصحية المختلفة. وقد تنكسر الخواطر عندما يحل ضيف مفاجئ يلغي ترتيبات ميزانية الأسرة لأداء الواجب المحتوم الذي تقرره التقاليد، أو يأتي حادث مأساوي يقلب كل الترتيبات. صحيحٌ أن التفاوت الطبقي موجود منذ بدايات الرعي والزراعة، لكنه في المجتمعات التي تحدث فيها طفرات مالية كبيرة، لا تقترن ثقافة الاستهلاك بالاحتياجات الأساسية والترفيه المنطقي. وفي مجتمعنا مظاهر سلبية كبيرة رفعت مستويات الأغنياء إلى حدود غير معقولة، وقرَّبت الفقراء من الخط الأحمر، والطبقة الوسطى تآكلت بين طرفي المعادلة إن لم تكن تلاشت. * نقلاً عن صحيفة الرياض.