EN
  • تاريخ النشر: 25 مارس, 2012

هل يشكِّل المسلمون خطراً على فرنسا؟

الكاتب د. محمد سلمان العبودي

د. محمد سلمان العبودي

يخشى الفرنسيون، كما غيرهم من الأوروبيين، من أن تمدد الإسلام في أوروبا عامة، سيشكل مع مرور الوقت خطراً على الكنيسة في فرنسا وفي القارة الأوروبية

  • تاريخ النشر: 25 مارس, 2012

هل يشكِّل المسلمون خطراً على فرنسا؟

(د. محمد سلمان العبودي) وأخيراً تمت تصفية محمد مراح، هذا الشاب الفرنسي (من أصول جزائريةالذي يبلغ عمره الرابعة والعشرين ربيعاً، قبل أن يلقي سلاحه ويستسلم.

إن مقتل محمد مراح سوف يثير كثيراً من اللغط والنقاش، عندما تهدأ العاصفة التي هبت بمقتل حاخام يهودي وثلاثة أطفال أمام مدرسة يهودية في مدينة تولوز، على يد هذا الشاب الذي «ما زال متهماً» بتنفيذ عدة جرائم خلّفت سبعة قتلى. من المؤكد أنه سوف تتكشف في ما بعد أسرار كثيرة، وسوف يتم التكتم على أسرار أخرى يُختم عليها بالشمع الأحمر ضمن الملفات السرية للدولة.

الأجواء التي تعيشها فرنسا منذ شهر تقريباً، متوترة ومشحونة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، كما أن العزف المتواصل على وتر المغتربين والمسلمين بالتحديد في هذه الانتخابات، وخاصة من قِبَل اليمين المتطرف واليمين، حوّل الأنظار من البحث عن صيغ جديدة لحل القضايا المتعلقة باقتصاد الدولة والبطالة والتنمية ومستقبل التعليم في فرنسا، إلى حرب مزايدات على المسلمين وما يأكلون.

 فالمغاربة -كما يطلق عليهم الفرنسيون- أعدادهم في ازدياد مستمر، ونسبة عالية منهم تحمل الجنسية الفرنسية أباً عن جد، بينما يلجأ آخرون إلى إبرام عقود زواج بيضاء، كما يطلق عليها الفرنسيون، (أي مجرد حبر على ورقمقابل صفقة مالية معينة مع حاملي الجنسية الفرنسية تمكِّن المهاجر بالتالي من الحصول على تلك الجنسية.

ويعتقد الفرنسيون أن المغاربة القادمين من شمال إفريقيا، كالجزائر وتونس والمغرب وليبيا، يزاحمونهم في الحصول على لقمة العيش، وأن هؤلاء المغاربة جاءوا وهم يحملون معهم تقاليدهم وعاداتهم التي يتمسكون بها حتى الموت، ويتهمون حكومة بلادهم بالعجز عن تقليص أعدادهم، أو حتى إذابتهم في بوتقة المجتمع الفرنسي وتبديل جلدتهم.

ويخشى الفرنسيون، كما غيرهم من الأوروبيين، من أن تمدد الإسلام في أوروبا عامة، سيشكل مع مرور الوقت خطراً على الكنيسة في فرنسا وفي القارة الأوروبية، والتي بدأت بالفعل في التقلص بعد أن هجرها جيل الشباب. ويعتقد اليمين المتطرف ومَنْ والاه، أن رجحان كفة الميزان التدريجي لمصلحة أعداد المسلمين، قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وسياسية وخيمة في فرنسا.

ورغم أن الانتخابات الرئاسية تدور في بلد متحضر علمياً وثقافياً ودستورياً، ورغم أن دستوره يحظر التطرق إلى الدين أو الطائفة أو المذهب أو الأصل بين الفرنسيين، فإن بعض المرشحين لهذه الانتخابات، وبهدف كسب مزيد من النقاط، لم يترددوا في إثارة النعرة الطائفية للحصول، بسوء نية وبأساليب ملتوية، على أصوات اليمين المتطرف، ضاربين عرض الحائط بكل المبادئ الإنسانية العليا التي ينادي بها شعار الجمهورية الفرنسية؛ من المساواة والأخوة والحرية وضمان حقوق الإنسان. وبدأت برامجهم الانتخابية ـ كما ذكرنا في مقالة سابقة ـ بمناسبة وبدون مناسبة، بالتركيز على مسألة الحد من زيادة أعداد المغاربة، والنظر في حرية ممارستهم لطقوسهم الدينية، وعلى رأسها مسألة الذبح الحلال، وإقامة شعائر صلاة الجمعة في الطرقات عندما تكتظ بهم المساجد، مع أنه لا يوجد في القانون الفرنسي ما يمنع مثل هذه الممارسات أو يحظرها.

وفي رأينا فإن حادثة محمد مراح تدخل في سياق هذا الجو المشبَّع بالطائفية، والذي تزايد مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية الحالية. وإلا فما الذي يدعو السلطات الفرنسية إلى تأكيد، مراراً، أصوله الجزائرية، بينما هو يحمل الجنسية الفرنسية ومولود في فرنسا؟ تُرى لو كان صاحب الجريمة فرنسياً من أصول غير مسلمة -دون أن نذكر اسمها- فهل سيتم ذكر أصوله؟ ولماذا الربط بين الجريمة وأصول مرتكبها؟!

ثم إن هناك تساؤلاً يفرض نفسه، فالمخابرات الفرنسية، على لسان مدعي عام باريس فرانسوا مولين، تُقرّ بعلم المخابرات الفرنسية المسبق بأن الشاب الفرنسي محمد المراح قد تلقى تدريبات في معسكرات القاعدة في منطقة وزيرستان في باكستان، وأن الجيش الأميركي قام بترحيله إلى تولوز بعد اعتقاله في أفغانستان!

تُرى كيف سمحت له السلطات الفرنسية بدخول الأراضي الفرنسية دون أن يقبض عليه أو يتم التحقيق معه أو مراقبته أو احتجازه؟ وكيف تمكَّن هذا الشاب صغير السن من الحصول على هذه الترسانة من الأسلحة دون علم المخابرات الفرنسية؟ ألن يثير هذا الأمر الشكوك حول شخصية محمد المراح، من أنه ربما أُرسل إلى هناك من قِبَل بعض المخابرات، ثم تَقرر التخلُّص منه؟ وأنه ربما استُخدم اليوم ككبش فداء لكسب مزيد من الأصوات في جهة اليمين المتطرف؟

أما الأمر الأكثر غرابة في الحادثة، فهو أنه لم يتم الانتظار واستدراجه حتى يسلِّم نفسه ويتم استجوابه والتحقيق معه.. هل هناك من الأسرار التي لو كشفها محمد المراح، لو قبض عليه حياً، لأطاحت ببعض الرؤوس في فرنسا وما حولها؟

أسئلة عديدة، وستظل لغزاً دُفن مع جثته، كما ظل كثير من قضايا الجرائم في العالم أسرار دولة، أشيع عنها الكثير، لكن غابت عنها الحقيقة، كأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإسقاط طائرة لوكربي، وغزو الكويت، واغتيال رفيق الحريري، وطريقة التخلص من معمر القذافي بهذه السرعة، وقبله بزمن طويل.. اغتيال الرئيس الأمريكي جون إف كنيدي

* نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية