EN
  • تاريخ النشر: 23 سبتمبر, 2011

هدير الكوادر



 تجتاح البلاد موجة عارمة من الإضرابات من كل حدب وصوب، وفي كل الاتجاهات، ومن كل الوزارات والمؤسسات والهيئات، موجة من المطالبات ثارت فجأة، وكأننا اليوم نعيش مرحلة الصحوة الفجائية، مستمدة من فوضى خلاقة تعيق مسار التنمية، وتدخل البلاد والعباد في دائرة الشك، مفتقدة عنصر الأمان والاستقرار، وهو العنصر الأساسي للتطور والتطوير.
ماذا يريدون؟ وممن يريدون؟ كشفت هذه الإضرابات والمطالب المشروعة في أغلبها اننا لا نعيش في دولة المؤسسات والقانون، ولا ننطلق من رؤية واستراتيجية واضحتين، وكأن الأمور متروكة للفعل وردود الأفعال، وكأننا نعيش على البركة، وما هكذا تسيّر أمور البلاد. دولة المؤسسات والقوانين أصبحت مفقودة، تائهة ما بين الشارع والساحة، ومساحة الحلم بالمستقبل الواعد تتضاءل، وأسس التعاون ما بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية أصبح الشك يعتريها، وما بين المواطن والسلطتين التنفيذية والتشريعية اهتزت، خاصة بعد الكشف عن الفضائح المليونية. حالة من الشك والارتباك وانعدام الثقة سادت الأوساط واهتزت الموازين، فأصبح الكل يسعى بنفسه لأخذ حقه بيده، فكانت هذه الموجة العارمة المضطربة في كل مجال من كل جهة، وفي أغلب قطاعات الدولة.
كان بالإمكان تفادي هذا الانفجار المفاجئ بالعودة الى الأسس والخطط الاستراتيجية، ووضع سياسة واضحة تتوخى العدالة ومواكبة المتغيرات الحديثة، بعيدا عن سياسات الترضية والترقيع وردود الأفعال الآنية، وحسم كل تلك المتطلبات وفقا للقانون والمساواة، وتوخي مبدأ العدالة. وإنني كمواطنة أرى ان قطاع الإطفاء والإطفائيين هم من أولى القطاعات التي ينبغي مراعاتها والاهتمام بمطالبها، يليه الطوارئ الصحية لأهميتها القصوى، وتدرجا بالأكثر أهمية حتى الوصول الى القمة، قمة الهرم للقطاعات المختلفة من دون الوصول الى هذه المرحلة المضطربة التي تسود البلاد اليوم.
ونسي من نسي انه بدراسة سيكولوجية لشخصية الأفراد عندنا، أننا شعب «فزعة»، وشعب «هبة»، وشعب صادق يسير خلف «الفعل وردة الفعل»، ينتهج في كثير من الأحيان فلسفة تنطلق من «التقليد الفردي»، كما يطلق عليها علماء النفس.
بعيدا عن الفلسفات والتنظيرات والشعارات التي أكل عليها الدهر وشرب، نعيش اليوم واقعا مضطربا، يعاني من فقدان الثقة، فالكل يضرب الكل، الكل يحسد الكل، الكل يخوّن الكل، لم يبق إلا القليل موضعا للثقة، وتلك هي المرحلة الحرجة التي حذر كثيرون من الوصول إليها.
رغم كل هذا، علينا ألا ننسى أننا لا نعيش اليوم في «جزر معزولة»، فحولنا العالم الخارجي عالم يغلي، عالم يعيش الاضطراب، الحروب والدماء المسفوكة في كل مكان! لنحمد الله على ما توافر لنا من استقرار وأمن نسبي، وعلينا ألا ننسى ان اعداءنا قد يتسربون من ثقوبنا، كما يتسرب النمل من ثقوب الرداء.
ان حمل شعار «وما تحقيق الكوادر بالمطالب، ولكن تؤخذ الكوادر اعتصاما واحتجاجا»، ينبغي ان ينتهي الى حسم إداري ينطلق من رؤية واستراتيجية تتوخيان العدالة والمساواة، لتحقيق الأمن والاستقرار، وتبقى دولة القانون والمؤسسات هي الشعار الكبير والوحيد لهذا الوطن.
 
نقلا عن صحيفة "القبس"