EN
  • تاريخ النشر: 27 يونيو, 2012

مَشِي الحرمة

monawat article

ما زالت تلك العبارة التي قالها أحدهم في برنامجه الإذاعي "وش موديه مع الحريم" شاهدا على هذا التداول للعبارات العنصرية

  • تاريخ النشر: 27 يونيو, 2012

مَشِي الحرمة

(نبيلة حسني محجوب) لا تستطيع أن تقول للمرأة المكية يا حرمة، وإلا سمعت منها ما يسوؤك.

فللمكيين عبارات جاهزة جوابًا على المفردات المنبوذة واللامستساغة.

المكي لا يعجبه ردك على ندائه بـ "نعم" مثلا، فلو أجبت والدك بها عندما ينادي عليك وأنت ما زلت مكانك لم تقف أمامه مباشرة تسمعه يقول بحدة وتوتر (نعامة ترفسك) رغم أن معظم المكيين، في ذلك الزمن، الذي أعنيه -ربما- لم ير نعامة في حياته ولا يعرف أن رفسة من سيقانها الطويلة يمكن أن توصلك خلف الشمس.

كنا نحتار بما نجيب نداء الكبار، فلو أجبت بـ"إيوه" مثلا، يغضب ويرد عليك بعبارة (أوى) ولا نعرف ما هو الأوى ولكنها تنغرس في وجدان الصغار كنصل سكين، وإن أجبت قائلا: ( ها) يجيبك بقوله: (هو ياكلك) والهو أعزكم الله هو "الكلب" لم نكن نعرف أن نداءهم يتطلب الامتثال بالوقوف أمامهم فورًا، وأن أي إجابة صوتية تعني التلكؤ وهو سلوك مستهجن بطبيعة الحال.

لكل كلمة غطاها، ولكل مفردة جواب مختص بها يعبر عن عدم الرضا أو الاستياء من استخدامها، أما العبارات التي لها وقع حسن في وجدان المكي فهي بلا عد ولا حصر وهي مؤشر على مستوى الرقي والتهذيب لدى أبناء المجتمع المكي.

تذكرت كل هذه الصور وأنا أقف في أحد محلات البيع أنتظر انتهاء تحضير ما طلبته، وأنا أستعد لدفع ما طلب مني طرق أذني صوت جهوري قائلاً: (مشي الحرمة) كررها مرارا وهو على ما يبدويرددها منذ وضع قدميه على عتبة الدكان حتى وصل إلى كونتر الحساب الذي كنت أقف عليه نظرت إليه فإذا هو شاب ربما في عقده الثالث.

في مكة لا يجرؤ أحدهم على مناداة المرأة بكلمة (حرمة) سواء كانت صغيرة أو كبيرة بل تنادى بحسب السن والمكانة حتى من قبل الأباعد مثلا: يا ستي يا أمي يا أختي يا بنتى يا خالة وعندما يتحدث أحدهم للرجل عن ابنته أو أخته يخاطبه بكلمة كريمتكم من كرامة منزلتها كامرأة في المجتمع المكي.

استغرقت في حيرتي، ولكني تذكرت أن هذا الشاب وغيره ضحية البيئة المشحونة بالخطابات والمفردات التي تمارس عنفًا ضد المرأة، وأن كلمة "حريم" و"حرمة" متداولة على ألسنة بعض المسئولين، وربما لا زلنا نذكر ذلك المسئول الذي قال لمراجعيه من المهندسين: (لا تقفوا مثل الحريم) وبعض الدعاة يستخدمون كلمة "حرمة" و"حريم" في خطبهم وحواراتهم وبرامجهم التلفزيونية، وما زالت تلك العبارة التي قالها أحدهم في برنامجه الإذاعي "وش موديه مع الحريم" شاهدا على هذا التداول للعبارات العنصرية، فلماذا كان وقع العبارة بهذه الصورة الملتبسة، لأني ما زلت لم أحدد هل أنا غاضبة من عبارة الشاب في الدكان (مشي الحرمة) أم أني مستاءة فقط أم أني فقدت حساسيتي ومكيتي وتقبلت كوني "حرمة" ولم أعد أشبه المرأة المكية، التي لا تقبل مناداتها بهذه العبارة "حرمة" وتستخدم ردا غليظا حتى لو همسًا "حرمة عيشتك" ؟ فالمرأة المكية لا تنادى باسمها ولا بكلمة حرمة، فمن قلة الاحترام مناداة المرأة باسمها من صغار العائلة أو من الرجال الأجانب، لذلك تنادى؛ يا أختي، يا ستي، يا خالة، يا بنتي، للتوقير والاحترام ولتحديد المكانة والمنزلة العالية للمرأة في الذهنية المجتمعية المكية.

ومن العبارات التي صدمت بها أيضا رغم اختلاف المكان والزمان والظروف التي اكتنفتها "كلام رجال مهو كلام حريم" عندما فاجأني حفيدي مستوثقا من وعدي له وكان عمره في حدود أربع سنوات تقريبا في ذلك الوقت؟

من الذي غرس في تربة وعيه البكر الذي لم يكمل عامه الرابع هذا المفهوم الانحيازي لمصداقية الرجل على حساب مصداقية المرأة؟!

ومن علمه كلمة "حريم"؟

من الذي سكب هذه المعاني العنصرية في لغة الصغير الذي لم يتجاوز أربع سنوات؟

مع كل صخب الأسئلة الذي اجتاح كياني، ضحكت من تلقائية الموقف وبراءة المقصد الذي غلف كلمات حفيدي في ذلك الوقت لكن الموقف هذه المرة مختلف وإحساسي به ملتبس!

ربما لأن الخطأ تفرق دمه، ولم يعرف الفاعل الحقيقي هل هو البيت أم الشارع أم المدرسة أم الخطاب الإعلامي أو الخطاب الديني في قنواته المختلفة!

* نقلا عن صحيفة المدينة