EN
  • تاريخ النشر: 06 نوفمبر, 2011

مكالمة امرأة عربية

monawat article

monawat article

الكاتبة تتعرض في مقالها إلى مقارنة بين حال المرأة العربية ونظيراتها في الدول الغربية، وتلقي على الضوء الواقع عليها دون تحرك منها.

ترغمك الحياة على المصانعة في أمور كثيرة، حتى إنها لتقهرك على قبول ما لا تريد، إما خوفًا من نتائج رفضه، وإما شجاعةً في تحمل المسؤولية، أو لأسباب أخرى تتعلق بك.

 

فإن لم تكن حرًّا طليقًا في اختيار الموقف، لكنك حر في معرفة كيف تتعامل معه إن وقع، فالهزيمة ليست قدرًا حتميًّا؛ فهناك عوامل تجعلك تتلقى الكلام بكل تحفظ حتى لو لم يكن طبعك.. في هذه أنا معك، بل وقد تضع حلولك على أساس المراعاة والمسايرة، لا على اعتباراتك الحقيقية، وهذه هي الواقعية، وقد تكون قاسيةً علينا إلى درجة البشاعة، ولكن الحياة لها مقامها الكبير لدينا. ومن أجل الحياة، ومن أجل أن نحيا، «يجب» أن نجد لنا «مخرجًا»..

 

مقدمة خرجت بها بعد مكالمة طويلة مع صديقة، أثارت معها التساؤلات عن وضع نسائنا، أو بالأصح عن إحساس نسائنا بأنفسهن؛ فلو جئنا بمكالمة هاتفية بين امرأتين عربيتين تربطهما الصداقة والأسرار، ومكالمة أخرى لامرأتين أجنبيتين، ثم عقدنا مقارنة بين هذه وتلك، فستسمع عجب العجاب في المكالمة الأولى عن أنواع الظلم والحرمان والشتم والدعاء، والتي ستختمها مفردات الحسرة ثم الحمد على النعمة خوفًا من انتقام صاحب النعم، في تناقض محزن لقناعات أحزن.

 

فماذا عن المكالمة الثانية؟ لن يضيع وقت صويحباتها في الهراء؛ فمن له مظلمة فليشتكِ، والقانون كفيل بإنصافه، ومن تضرر من وضع فلينهه ويتحمل تبعاته. أما الحسرة المرافقة للامتنان فلا أعتقد أنها من ثقافة المرأة الأجنبية؛ فلا يعني أنها إذا تمتعت بصحة جيدة فعليها أن تتحمل ما يأتي من الناس امتنانًا لصحتها وإلا فالخالق سيعاقبها ويسلبها منها.

 

ما هذه القناعة العجيبة؟ إن كان هناك ما يضايقك وينغص عليك فلتفعل بما عليك لترفعه عنك، ولتترك عنك السرد التخديري الذي اعتدناه؛ فالله ينظر إلينا أصحّاء النفس والبدن، لا ممزقين بين ظاهرنا وباطننا بحجج اخترعناها فصدقناها، ثم لو كانت المبادئ المتوهمة التي أحكمت سيطرتها على تفكيرنا.. لو كانت سليمة وقابلة للتطبيق وللاستمرار، لم لا تجد امرأتنا راضية بمقسومها؟!

 

وأنا هنا لا أعني امرأة بسيطة الوعي، ظنت أن الحياة زوج يأمرها وأبناء تنجبهم لتخدمهم فيأمرونها هم أيضًا؛ فإذا سألتها عن حالها أجابت: "بأحسن حالوقد تكون صادقة في إجابتها؛ فمن لا يتربى على الإحساس بقيمته وكيانه وحقوقه لا يدري ما حرم منه ويعوزه.

 

أنا هنا إنما أعني من انتشلها وعيها من بؤرة محددة بوعاء يُنجب، وعاملة تنظف وتطبخ. هذه المرأة قد تصحو على أكبر خدعة في حياتها ذات يوم -والمخادع طبعًا هو الرجل- ولو تدخلت قليلاً لقلت: "ولا يُلام في ذلك"؛ فمن يهن يسهل الهوان عليه، والمرأة المتنازلة تغري الرجل ليعاملها بتنازل.

 

لا يسعدني أن أسمع الكلمات الممجوجة المكررة ذاتها في كل عيد ومناسبة عن بؤسنا نحن النساء؛ فالألم شرط إنساني، كما كتبت يومًا، ولا حيلة لنا به مع كل موت ومرض وفراق جديد، ولكن ما الداعي للمعاناة إذا كان في الإمكان تخفيفها وأحيانًا القضاء عليها بشيء من التصميم والعزم في اتخاذ القرارات الصحيحة لإشكالاتنا؟! فإذا تقاعسنا فلا نأتي ونبكي على حائطنا؛ فالدنيا ليست مكانًا للكسالى المحبطين.. الدنيا تتجاوب مع المصممين المتفائلين. ومهما يكن المنطق الذي نبرر به جرمنا في حق حياتنا، يجب أن نقف ونفكر فيه جديًّا؛ فدولة مثل السعودية بها كل الخير ليس مقبولاً ولا مفهومًا أن يعيش أهلها بغير الضحكة.. بغير الاطمئنان وراحة البال.. وكله ويبدأ من العقل؛ فعقل يسعد وعقل يتعس، ثم يأتي دور الشخصية؛ فشخصية تريح بطباعها وحزمها، وشخصية ترهق وتقيد بتكاليفها وعقدها و«شراشيبها».

فهل نقول ما أحوجنا إلى تحديث البدايات؟! أجل، نعيد معه مناقشة ما صعّب علينا الحياة، بتقاليدنا بعاداتنا بما ورثناه ولم نقتنع به؛ فلن نتغير ما لم يكن لكل منا فسحة من منطق يخصنا لا يخضع دائمًا للمألوف من الآراء والمشاعر.. عندها سنتعرَّف عيدنا وكيف نحب أن نقضيه على طريقتنا.. عندها فقط سنغمض أعيننا ونبتسم بغرور.

--------------

نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية.