EN
  • تاريخ النشر: 16 يناير, 2012

مفسري الأحلام.. متى تفيقون؟!

د. فهد بن سعد الجهني

د. فهد بن سعد الجهني

تكسب المال بتفسير أحلام الناس ظاهرة جديدة في المجتمعات العربيةولا تستند إلى أي قاعدة أن المتصدين له قد تلقوا هذا العلم من أي مصدر

  • تاريخ النشر: 16 يناير, 2012

مفسري الأحلام.. متى تفيقون؟!

ظاهرة التصدي لتفسير الرؤى، والبروز لها والتخصص بها، وجعلها من أبواب الكسب والتكسب، واستنزاف جيوب النائمين الحالمين؛ ظاهرة حادثة في الأمة ولا شك؛ فمنذ متى كان المُعبر -بضم الميم- يجعل لكل رؤيا يُفسِّرها رسمًا ماليًّا يُدفع مقدمًا عبر أرقام هاتفية يشترك فيها مع شركات اتصالات وقنوات؟! ومنذ متى كان علماء السلف يَتخصَّصون بتفسير الأحلام ولا غير، بل يفتحون لها الدروس والمعاهد الخاصة ويعقدون لها الدورات؟! منذ متى كانوا يُعبِّرون كل منام دون تفريق بين الأضغاث والرؤيا؟ على أي دليل أو قاعدة شرعية يعتمد هؤلاء في تكسُّبهم وجعلهم هذا العلم الشريف -أعني علم تفسير الرؤى- مصدرًا للتكسب والمتاجرة؟! هل لديهم دليل أو شبهة دليل أو أثارة من علم علموه ولم نعلمه حتى يتحفونا به؟!

إن رؤيا المؤمن -وكما صح فيه الخبر سيد البشر- جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. وتأويل الرؤى علم وفتوى. قال الله على لسان صاحب يوسف: (أفتوني في رؤياي). وهذا العلم من علوم النبوة. قيل لإمام المدينة مالك رحمه الله: أيُفسِّر الرؤيا كل أحد؟ قال: لا؛ أيلعب بالنبوة؟!

والمتتبع لبرامج هذه الرؤى يجد أمورًا عجيبة؛ بعضها يخالف الشرع والآخر يناقض العقل!؛ فتعبير الرؤى على القنوات في اتصالات مباشرة، والمُؤوِّل لا يعلم عن الرائي ولا عن حاله شيئًا إلا نزرًا من كلمات مضطربة أشبه ما تكون بالكلمات المتقاطعة!.. هل هو منهج شرعي وأسلوب صحيح؟! وهل ترسيخ ثقافة (الأحلام والمنامات) في المجتمع من العقل والمنطق والأهمية في شيء؟! والمعبر العظيم لا يرد سؤال سائل فيعبر كل منام دون التنبيه على نوعه أرؤيا هو أم حلم وأحاديث نفس أم من تنغيص الشيطان.

ويأخذك العجب والضحك والغيظ أحيانًا من مفسري القنوات وهم يسألون تلك الحالمة -بالتأنيث لأنهن الأكثر في هذا المهيع- عن أسئلة عامة تصلح لكل أحدمن قبيل: هل تنتظرين حدثًا مهمًّا؟ هل أنت موظفة؟ متزوجة؟ حتى يكون الجواب كالتالي دائمًا: إن كانت غير متزوجة بادر المُعبِّر بكل حماس بتبشيرها بالزواجوإن قالت: "أنا متزوجة" بشَّرها بحل مشكلاتها مع زوجهاوإن كانت موظفة فالتأويل جاهز؛ هو (الترقيةوإن كانت عاطلة فالتأويل طبعًا سيكون (الوظيفة)... وهكذا.

يمضي المُعبِّر ليجيب على أكبر قدر من الاتصالات: أسئلة عامة وتفسيرات عامة يمكن تحققها مع أي أحد يغلف ذلك -إرضاءً للنفس وتطييبًا للمكسب- بشيء من النصيحة بتقوى الله والإكثار من الاستغفارثم يتفرغ المُؤوِّل لذلك الكم الهائل من الاتصالات على جواله العام والخاص (بأصحاب المنامات) مقابل رسوم مالية تدفع لمزيد من التأويل، وبطبيعة الحال مزيد من النائمين والمنامات!.

إن سبب هذا التكالب على تفسير المنامات والاعتماد عليها في التعبد والحياة من قبل كثير من الناس؛ سببه البعد والغفلة عن المنهج النبوي السليم الذي أرشد كل مسلم ومسلمة إلى التصرف الشرعي المبارك والمطمئن والمتعقل؛ فالمسلم إن ظهر له أن ما رآه في منامه رؤيا لا حلم أو أحاديث نفس؛ فوجد ما يسره فليحمد الله ولا يخبر -إن شاء- إلا من يحب. وإن رأى ما يكره استعاذ بالله وتفل عن يساره ثلاثًا ولا يخبر أحدًا ولن تضره.

أرأيتم كيف هو سهل ومريح هذا الأدب النبوي وكيف ابتعد الناس أو أبعدوا ببركة هذه البرامج عن هدي النبوة؟!

إن تأويل الرؤى علم شريف، يهبه الله من يشاء (فتحت الآن أكاديميات لتعليم التعبير!!) لا يحسنه أي أحد، وله أصوله وضوابطه. وطلب التعبير لا يلزم في كل منام أو رؤيا. والرؤيا إن لم تعبر فلا إشكال، بل هذا هو الأصل في ظني -والله أعلم- وهو ظاهر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر العام من هديه الكريم.

لذلك يجب على أولي هذا الأمر من العلماء والدعاة وأهل الحسبة، أن يجتهدوا في رد المجتمع إلى السنة ردًّا جميلاً، وأن ينصحوا -هؤلاء المُعبِّرون- بالتخفيف من هذه الظاهرة وكذلك عليهم -وفقهم الله- الحد من التلاعب بجناب هذا العلم الشريف، وتعظيم هيبته في النفوس بالنصح والإرشاد.. وأن تظل المنامات في إطارها الشرعي والطبيعي؛ فلا يُتّكل عليها في عمل ولا تتوقف الحياة من أجلها. وعلى وسائل منع برامج تعبير الرؤى الفضائية؛ لما ذكرته من محاذير وغيرها مما لم أذكره.

وأخيرًا: إن العلم أمانة وشرف، ولا ينبغي أن يُبتذل بهذه الطريقة، وأن يراجع إخوتنا المُعبِّرون طرائقهم ووسائلهم، وفقهم الله للحق، وغفر لنا ولهم.. وأحلام سعيدة بإذن الله.

-------

(*) نقلاً عن صحيفة المدينة السعودية.