EN
  • تاريخ النشر: 06 مايو, 2012

مستشفى الأمراض التنكريّة

monawat article

المريض النفسي ليس شخصاً مصاباً بفيروس، وليس هنالك جراثيم أو بكتيريا للأمراض النفسية، كما أنه لا يمكن معرفة إن كان الشخص مصاباً بمرض نفسي

  • تاريخ النشر: 06 مايو, 2012

مستشفى الأمراض التنكريّة

(محمد المرزوقي) قبل ثلاثة أشهر، وبالتحديد في الرابع من فبراير ،2012 توفي عالم النفس الأميركي ديفيد روسنهن، الذي لم يكن عالم نفس عادياً، فعلى عكس أقرانه من أطباء وعلماء لم يشغل روسنهن نفسه بتطوير أدوات/أدوية معالجة المرضى النفسيين، وإنما عمد إلى نسف أساليب تشخيص الأمراض النفسية من أساساتها.

في رأيه، الطب النفسي على امتداد تاريخه بُني على أسس هشّة اعتمدها لتصنيف من يعانون أمراضاً نفسية، وحاول معالجتهم على ضوئها. رأي الدكتور روسنهن على غرابته، يصبح منطقياً بل ومعقولاً جداً إذا قرأنا تفاصيل التجربة التي أجراها لإثباته، والتي عرفت باسم تجربة روسنهن في ما بعد، وصارت تدرس في كليات علم النفس العالمية. تنقسم تجربة روسنهن إلى قسمين: في القسم الأول منها، قام روسنهن بإرسال ثمانية أشخاص تظاهروا بأنهم يعانون أمراضاً نفسية إلى 12 مركزاً للطب النفسي في خمس ولايات أميركية، وكما توقع روسنهن، لم يتمكن الطاقم الطبي في أي مركز من هذه المراكز من كشف كذب واحد من هؤلاء الممثلين، وأدخلوا جميعاً للعلاج بعد تشخيص كل فرد منهم بمرض نفسي معين تبعاً للأعراض التي أظهرها. بعد أيام من دخولهم إلى مراكز الطب النفسي المختلفة، بدأ الممثلون يتصرفون بشكل طبيعي وأخبروا الأطباء المشرفين على علاجهم بأنهم أصبحوا بخير ولا يعانون أي أمراض/أعراض نفسية كالهلوسة وغيرها. ومع ذلك أصرّ الأطباء على إبقائهم في المراكز لفترات امتدت إلى شهور، عملاً بالقول العربي الدّارج -بتصرّف - «دخول مستشفى الأمراض النفسية ليس كخروجه». ولم يتمكن الممثلون من الخروج أخيراً إلا بعد أن وقّعوا على تعهدات بالاستمرار في تناول الأدوية النفسية التي وُصفت لهم.

قد يتوقف قارئ هنا ليقول إن نتائج التجربة ليست مفاجئة بل متوقعة إلى حدٍ ما؛ فالمريض النفسي ليس شخصاً مصاباً بفيروس، وليس هنالك جراثيم أو بكتيريا للأمراض النفسية، كما أنه لا يمكن معرفة إن كان الشخص مصاباً بمرض نفسي أو ممثلاً متنكراً بمرض نفسي بالتقاط صورة إكس - راي لنفسه، أو بأخذ عينة من عقله لفحصها تحت الميكروسكوب. هذا الكلام صحيح، فهذه الأمور تصلح لتشخيص الأمراض العضوية لا النفسية التي يعتمد تشخيصها في المقام الأول -وربما الأخير كذلك- على اختلال سلوك الشخص. هنا يأتي القسم الثاني من تجربة روسنهن ليؤكد أنه حتى هذا المعيار ليس كافياً، بل وخطأ في معظم الأحيان، فبعد إعلان روسنهن لنتائج القسم الأول من تجربته، تحداه أحد مستشفيات الطب النفسي العريقة بأن يرسل إليها ما شاء من هؤلاء الممثلين وسيكشف طاقم المستشفى الطبي أمرهم مباشرة، قَبِل روسنهن التحدي، وبالفعل خلال أسابيع قليلة أعلن المستشفى عن اكتشافه 41 شخصاً من أصل 193 شخصاً يخضعون للعلاج في المستشفى، لا يعانون أي أمراض نفسية.

المفاجأة التي أصابت الطاقم الطبي بالذهول، وربما الجنون، كانت عندما اعترف روسنهن بأنه لم يقم بإرسال أي شخص إلى ذلك المستشفى.

شخصياً لا أعتقد أن الدكتور روسنهن أعاد النظر في طرق تشخيص المرضى النفسيين، بقدر ما أعاد إليهم إنسانيتهم المهدرة، ففي مجتمعات لايزال أفرادها يتعاملون مع الأشخاص المصابين بأمراض نفسية بوحشية ويصنفونهم فوراً مجانين، نحتاج إلى استحضار روسنهن وتجربته دائماً. أليس من المخجل أن الشخص المصاب بمرض عضوي يغمره أفراد المجتمع بالود والورد وأمنيات بالشفاء العاجل، بينما يعيش الشخص المصاب بمرض نفسي محاطاً بنظرات الشفقة والتوجس.. والازدراء أحياناً؟.

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم