EN
  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2012

ما الذي يحدث في مدارسنا؟

monawat article

ما الجريمة التي يقترفها طفل في السابعة من عمره، حين يتعثر في أول سنة دراسية له في معرفة الإملاء؟ وهل يستحق عليها الغضب والصولة والجولة والضرب المبرح؟ وأين الموازنة بين مفهومي "التربية" و"التعليم"

  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2012

ما الذي يحدث في مدارسنا؟

(نورة السويدي) ما الذي يحدث في مدارسنا على يد المعلمين والمربين والقدوة والموجهين؟! وما حجم الانتكاسة التربوية التي نخوض فيها حين نرى طفلاً في السابعة من عمره، يتعرض للتعذيب والضرب المبرح من معلمته "الرؤوم"؛ أمه الثانية، لأنه أخطأ في درس الإملاء، ليصبح أثر السياط في ظهره كأنه خارج من متاهات أحد سجون التعذيب الجائرة؟ وما حجم الثمرات التي قطفناها بعد أن بلغنا في ترقية مناهجنا ووسائلنا التعليمية والأدوات المساعدة والبرامج التعليمية التي تنافس أرقى الدول، حين ينتهي الأمر عند معلم لا يزال يعيش بعقلية القرون الوسطى، ليضع جميع تلك الوسائل الراقية على الرف ويستعيض عنها بعصا التأديب، ليلهب بها ظهور التلاميذ إن تعثروا في دروسهم الأولى أو تصرفوا على سجيتهم ودوافع طفولتهم؟!

ظاهرة لم نكن نتخيل أنها لا تزال تسري في مدارسنا، بعد سنوات من النهضة التعليمية والتطوير وحسن انتقاء المدرسين والمدرسات الحريصين على مواكبة طفرة الحضارة التي ننعم بها، إلا أنهم للأسف جعلوا تجاربهم الشخصية في مدارسهم "البدائيةنموذجاً يسير معهم في حياتهم التعليمية ويتنقل معهم حيث ذهبوا وحلوا. خلال فترة قريبة تكررت الحادثة في أكثر من مدرسة على مستوى الدولة، ويكون بطل القصة معلماً أو معلمة مأزومين، يريدان حشو المعرفة على ظهور الطلبة لا على قلوبهم وعقولهم، ويظنون أن الرعب والخوف والتهديد والجلد بالسياط أقصر الطرق للفهم، ولا يعلمون أنه أقصر الطرق للفشل والتحطيم النفسي والانسحاب الاجتماعي.

ما الجريمة التي يقترفها طفل في السابعة من عمره، حين يتعثر في أول سنة دراسية له في معرفة الإملاء؟ وهل يستحق عليها الغضب والصولة والجولة والضرب المبرح؟ وأين الموازنة بين مفهومي "التربية" و"التعليم" اللذين جعلت الوزارة اسمها منحوتاً منهما، بل وقدمت التربية على التعليم؟..

ما يؤلم حقاً أن الكثير من هذه القصص لا يصل إلى الإعلام، ويبقى دفيناً بين الطالب ومعلمه وأسرته في كثير من الأحيان، ليتغول هذا النهج التربوي الخاطئ ويصبح عند البعض هو الأسلوب الناجع لضبط الطلبة وإفهامهم وتأديبهم، وكأن الأسر عاجزة عن تربية أولادها وألقت بهم في أيدي المعلمين ليلقنوهم دروس الأدب بالسوط والركل والرفس هذه المرة، لا بالعقل والكلمة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

نأسف حقاً كل الأسف على سماع مثل هذه الحوادث في مدارسنا ولأبنائنا الصغار، وأسفنا أكبر على الرقابة المؤسسية على مستوى الميدان التربوي، التي لا يتحرك بعضها إلا بعد وصول الحوادث إلى الإعلام أو المستويات العليا من الوزارة، لتنتفض الإدارات وتندد وترعد وتزبد وتهدد بأن لا يتكرر مثل هذا التصرف في مدارسها، وكأنها تسمع بهذا الأمر لأول مرة، مع أن مثل هذه القصص تتكرر في بعض المدارس، وهذا ما أكده الطفل الصغير بطل قصة درس الإملاء، حين قال إن هذه ليست المرة الأولى التي تلهب المعلمة فيها ظهورهم بالسياط، وتركت في نفسه خوفاً عارماً من كلمة معلم أو مدرسة.

نعلم حقيقة أن وزارة التربية لا ترضى أبداً بمثل هذه التصرفات اللا تربوية، ونعلم أيضاً أن الإجراءات الميدانية الإدارية ستأخذ مجراها في مثل هذه القضايا حسب اللوائح المعمول بها لضمان عدم تكرارها، لكننا نتساءل عن ضوابط اختيار أمثال هؤلاء المدرسين بعقلياتهم المتخلفة؟ وما المعايير التي تعتمدها المدارس عند عملية الانتقاء بين العديد من المتقدمين لشغل وظيفة معلم أو مدرس مربٍّ يصلح لقيادة العملية التعليمية كما ترتئيها الوزارة أو حسب رؤية الحكومة؟

الضرب في المدارس والبيوت لم يكن في يوم من الأيام ولن يكون أبداً منهجاً تربوياً ناجعاً لغرس المفاهيم، فضلاً عن التعليم، وكل الذي يتركه في نفوس الصغار، أنهم ضحايا تسلط المربين في المدرسة أو البيت، لتكون هذه الممارسات نقطة مظلمة في عقل الصغير وضميره، تمهد الطريق واسعاً أمامه، حين تكرارها، إلى الانحراف واستعداء المجتمع حينما يملك زمام أمره.

نتمنى حقاً أن تكون هذه التصرفات شاذة نادرة، لا تتكرر مستقبلاً في أي مدرسة ومع أي طفل، لأننا عندها سنكون كمن يبني بيد ويهدم بالأخرى، فمن جهة نبحث عن أرقى السبل والوسائل التعليمية المطبقة في العالم المتحضر لنستجلبها إلى مدارسنا، في حين نترك بعض المعلمين يقررون طرقهم البدائية في السيطرة على الطلبة، لا بالمعرفة والمعلومة والأخلاق، وإنما بما تيسر من العصي أو الركل أو اللكم

* نقلا عن صحيفة البيان