EN
  • تاريخ النشر: 16 أبريل, 2012

كلمات

monawat article

البعض يسيء استغلال الحرية، معتقداً بأن للحرية سقفاً عالياً يمكن أن يطوله لو رفع صوته عالياً

  • تاريخ النشر: 16 أبريل, 2012

كلمات

(د. فاطمة الصايغ) كلمات تجمعنا، وأخرى قد تكون سبباً لفرقتنا. ولكن ليس فخراً أن نقول كلمات كثيرة تفرقنا، ولكن الفخر الحقيقي أن نقول كلمة واحدة تجمعنا. فقد يعتبر البعض قدرته على شغل الرأي العام عن طريق عبارات يتفوه بها أو أفكار مثير للجدل يطلقها، أو كلمات يكتبها، فخراً كبيراً يجذب له انتباه الرأي العام، ويجعله حديث الناس والمجالس.

 وهو يتباهى بقدرته تلك على إثارة الفتن والقلاقل بين الناس، غير مدرك بأنه ليس فخراً تحريك المياه الراكدة، ولكن الفخر الحقيقي هو تحريك النهر المتجدد، لأنه سوف يكون سبباً للخير وللحياة والنماء لنا ولجميع مخلوقات الله.

تتكرر الكلمات والتصريحات والآراء التي يُدلي بها البعض، والتي لا تهدف إلا إلى زعزعة الاستقرار والسلم الاجتماعي، وتفريقنا إلى أطياف وشيع وأفكار متصارعة. ويتبارى البعض في استعراض عضلاته الفكرية، والقول بأنه أنما يمارس حق التعبير، أحد الحريات المدينة المتفق عليها بين البشر، دون إدراك بأن حقه هذا يؤثر بل ويتعارض أحياناً مع حريات الآخرين. إنه يضعنا جميعاً أمام مأزق مجتمعي يصعب الخروج منه دون خسائر، ويجرنا إلى وضع لا نحسد عليه، وضع قد يخرج الجميع منه خاسراً.

وتتعدد الوسائل والسبل المستخدمة في إطلاق تلك التصريحات والعبارات المثيرة للجدل والفتنة والبلبلة المجتمعية. فالبعض يستخدم وسيلة التقنيات الحديثة كالإنترنت والبلاك بيري وغيرها من وسائل التواصل الحديثة، في بث سمومه، معتقداً بأنه في مأمن في هذا الفضاء المغلق، غير آبه بأن هذا «الفضاء المغلق» في نظره أصبح اليوم أسرع وسيلة لنشر الأفكار، خاصة الهدامة منها. ويلجأ البعض الآخر إلى المجالس العامة، معتقداً بأنها توفر له جواً من الأمان والخصوصية لا توفره له وسائل التواصل الحديثة.

كما يلجأ البعض إلى المدونات الخاصة يكتب فيها ما يريده، معتقداً بأنها توفر له مساحة كافية وحرية مطلقة لإطلاق ما شاء من العبارات والأفكار. أما البعض الأخير فيستغل قدراته على التأثير في الرأي العام في الترويج لأفكاره، فهو معتمد على جمهوره وأتباعه في نشر تلك الأفكار. وقد تعددت الأسباب والوسائل، ولكن النتيجة في النهاية واحدة، ألا وهي استغلال الرأي العام وتوظيفه لنشر أفكار تسيء للسلم الاجتماعي، بل قد تضر بأمننا القومي. ومع احترامنا لحرية الرأي التي كفلتها جميع الدساتير للفرد، ومنها دستورنا، إلا أنه ليس من الوطنية استغلال تلك الحرية للإضرار بالسلم الاجتماعي.

البعض يسيء استغلال تلك الحرية، معتقداً بأن للحرية سقفاً عالياً يمكن أن يطوله لو رفع صوته عالياً، ومد مساحة حريته قليلاً، ووظف مهاراته العقلية جيداً. لذا نراه وقد امتشق سيفه، واستخدم قلمه، ووضع كل مهاراته الفكرية لتحقيق غاية واحدة، وهي إثارة انتباه الرأي العام له في قضية قد لا تستحق كل ذلك الاهتمام، أو هذا الانتباه، أو عبر إصدار تصريح سيئ مثير للجدل.

فينجح في شيء واحد لا غير، وهو إثارة البلبلة بين الناس، ودفع المياه الراكدة باتجاه النهر الصافي النظيف بغرض تلويث ذلك النهر بنفايات فكرية تضر الجميع ولا تفيد أحداً سوى الغير، ولا تفلح إلا في إشاعة جو من التلوث الفكري والاجتماعي، ولا تنجح في شيء سوى الفرقة والبلبلة بين أفراد المجتمع.

هناك أناس تفننوا في هذا الأمر حتى برعوا فيه. وأصبحنا نراهم وقد امتهنوا هذه المهنة امتهاناً، وتفننوا في هذا الأمر حتى أتقنوه. فلا نسمع منهم إلا تصريحات مثيرة للجدل، ولا نقرأ لهم سوى أفكار هدامة، ولا نراهم إلا متذمرين ناكرين للجميل. هؤلاء هم مثيرو فتنة وجاحدو نعمة، لا غرض لهم سوى إحداث فوضى مجتمعية، ولا يهدفون إلا إلى الانتشار عبْر استغلال أي وسيلة اتصال كانت. أفراد المجتمع يجب أن يكون لديهم الوعي الكافي لوضع هؤلاء عند حدهم، منبهين لأفعالهم وغاياتهم. ذلك هو الواجب الوطني.

هناك من يترصد بوحدتنا الاجتماعية بغرض تفكيكها وإثارة الفرقة بين أطيافها، معتقدين بأنهم أمام تركيبة هشة يمكنهم التأثير فيها بسهولة ويسر. ولو استخدم هؤلاء الناس عقلهم جيداً لأدركوا أننا تعايشنا مع بضعنا بعضاً لعقود طويلة، وتحت ظروف بالغة الحساسية، دون أن تكون هناك أي حادثة تكدر صفو ذلك التعايش أو تؤثر فيه. وهذا لا يعنى أنه لم توجد حالات مماثلة من قبل. فوحدتنا الوطنية كانت على الدوم مستهدفة، وتعرضت من قبل لحملات مماثلة أخرى، ولكنها جميعاً كانت محاولات فاشلة.

يوماً بعد يوم ندرك حجم الخطر الذي يترصدنا، وحجم التحديات المجتمعية التي تواجهنا، ويوماً بعد يوم ندرك حجم الوعي الذي يجب أن نرتقي إليه للتصدي لتلك المحاولات، ويوماً بعد يوم ندرك أننا فعلاً نقف في منعطف طريق علينا أن نختار فيه وجهتنا الصحيحة بإرادة مجتمعية موحدة. فهؤلاء الناس لن يكتفوا باستغلال وسائل التواصل الحديثة لإثارة الفتن.

بل قد يلجؤون إلى أي وسيلة أخرى متاحة. نعم نحن مطمئنون إلى قوة ومتانة رصيدنا الاجتماعي ومخزوننا الثقافي الذي وفر لنا من قبل الحماية الاجتماعية الكافية، ولكن هذا يجب ألا يكون سلاحنا الوحيد. فنحن أمام طائفة من البشر تفننوا في اختراع كل ما من شأنه تمزيق وحدتنا وإعادتنا إلى عصر الشتات والفرقة.

إن إعادة التفكير في مخزوننا الثقافي، وبعث مكونات رصيدنا الاجتماعي، هما عاملان مهمان في حماية وحدتنا الاجتماعية، ولكن الأهم هو العمل على توعية كافة طوائف المجتمع بالدور الذي يجب أن يقوموا به لوقف مثل تلك الحملات المغرضة.

إن الواجب الوطني ينادينا ويقول لنا بأننا اليوم أمام تحدٍ خطير علينا اجتيازه بكل جدية، حتى لا نترك فرصة للآخر بأن يستغله ضدنا. بهذا نكون قد أدينا واجبنا الوطني بكل إخلاص وتفانٍ، وحافظنا على وحدتنا الاجتماعية الضرورية لأمننا القومي

* نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية