EN
  • تاريخ النشر: 20 يونيو, 2012

عقوق الآباء للأبناء

monawat article

إننا نستغرق كثيرا في الحديث عن وجوب بر الأبناء للآباء، وقليل منا يتحدث عن أن هذا البر لا يصح أن يكون من طرف واحد، ولكن بر الأبناء لن يكون إلا مع بر الآباء، فابن اليوم هو أب الغد والحلقات متصلة

  • تاريخ النشر: 20 يونيو, 2012

عقوق الآباء للأبناء

(د. خالد الخاجة) قص عليَ أحدهم كيف أن أما جاءت تطلب منه أن يساعدها في العثور على ابنتها، تلك الابنة الجاحدة المنفلتة - على حد قولها - والتي تركت البيت دون سبب منذ يومين. فقال لها: وكيف تتركين ابنتك خارج المنزل ليومين كاملين؟

قالت إنها لم تكن كذلك إلا بعد أن تعرفت على صديقة لها، أفسدت أخلاقها، وجعلتها تتمرد على أهلها وتغادر مسكنها.

والحق أنه أضاف أنه لم يستشعر أن هناك لهفة من الأم للاطمئنان على ابنتها، بقدر ما في ملامح وجهها من جمود ونبرة صوتها من حدة تبعد تماما عن حنان الأم الملهوفة على جزء من جسدها. ولكن قال؛ لا بأس نفعل لوجه الله.

وبعد أن استطاع أن يصل إلى ابنتها وجاءته، فإذا به يجد أمامه فتاة مكسورة الخاطر، بدت على ملامحها آثار من التعب والإرهاق، زائغة العينين كأنها تتحسب من أذى سيقع عليها، لديها أدب جم، وتملك سيرة بيضاء بين قريناتها، تتحدث بهدوء وصدق لا يخطئه عاقل، وفي صحبتها سيدة فاضلة تشغل مكانة مرموقة، والتي جمعها القدر في ذات المكان ورأتها وهي تتعالج من جراحها التي اقتلعت فروة رأسها وسجحات تركت عذابات في نفسها، قبل أن تترك آثارا على جسدها.

وإذا بالسيدة تقص عليه كيف أن هذه الفتاة جاءت إلى المستشفى في حالة يرثى لها، لتعالج من جروح غائرة في رأسها بعد أن اعتاد شقيقها المتزوج والمقيم مع والدته، أن يضربها بشكل مستمر على أهون الأسباب وبمباركة الأم.

 وأَضافت أن هذه الفتاة متقدمة في دراستها، وتجاهد لكي تستكملها بعد أن منعت عنها والدتها أي مصدر مالي، وأصرت على أن تجلس في البيت إرضاء لأخيها بعد أن توفي والدها، فضلا عن عذاباتها في المأكل والمشرب والتي تفوق المعتقلين في سجن "غوانتاناموللدرجة التي جعلت هذه السيدة بدافع الأمومة، بعد سماع الكثير من التفاصيل عن حياتها، تتبنى قضيتها، خاصة وأن الفتاة ذهبت تستغيث بالشرطة وتستحلفهم ألا يرجعوها إلى ذلك المعتقل الأسري ولو وصل الأمر لإيداعها دار رعاية، حتى تستطيع إكمال دراستها بعد أن اقتربت من إنهاء الأمتار الأخيرة لتنجزها، ولكن رغبة الأم في إرضاء ولدها تحول دون ذلك.

توقفت كثيرا أمام تلك الرواية، متسائلا من أين تأتي قسوة الآباء على أبنائهم! وما الذي جعل هذه الأم تصل إلى هذا الحد من البغض لابنتها، للدرجة التي تطلب فيه من أساتذتها أن يمنعوها من دخول الامتحان النهائي بشتى الوسائل؟ وكيف بهذا الشاب المتزوج الذي حل محل الوالد، أن يقسو بهذا الشكل على أخته الخلوقة، كما تخبر عنها رفيقات الدراسة، لتستجير بالشرطة ممن يفترض أن يكونوا هم مصدر حمايتها وسياج أمانها، دون أن ترتكب جرما أو تخطئ في حق أحد سوى أنها تريد استكمال دراستها لتصبح إنسانة فاعلة في مجتمعها دون أن تتوسل من أخيها قوت يومها؟!

وهنا تذكرت وديمة.. قصة الألم والجرح الذي لن يندمل.. التي عذبها والدها وعشيقته حتى الموت، بعد أن استمتعا سويا بعذاباتها أياماً وليالي، ولم يرتجف له جفن وهو يوسدها التراب ليعاود غيه هو وعشيقته على أعين من ابنته ميرة التي فقدت ونيسة ليلها.

تلك المأساة التي هزت مشاعر القيادة السياسية للدولة في أعلى مستوياتها وكل من كان له قلب ينبض أو بقية من إنسان، والروايات على هذا المنوال أكبر من أن تحصى.

إننا نستغرق كثيرا في الحديث عن وجوب بر الأبناء للآباء، وقليل منا يتحدث عن أن هذا البر لا يصح أن يكون من طرف واحد، ولكن بر الأبناء لن يكون إلا مع بر الآباء، فابن اليوم هو أب الغد والحلقات متصلة.

إننا أحيانا نغفل أن بر الآباء لأبنائهم ليس أقل من بر الأبناء لآبائهم، منذ اليوم الأول لمولدهم وحسن اختيار أسمائهم. فقد كان لي زميل دراسة سماه أبواه "منازعوكانت من أشد اللحظات قسوة على نفسه عندما يناديه أستاذه أمام زملائه ويسمع همهماتهم وضحكاتهم.. أهذا من البر؟

أمن البر أن نقسو على أولادنا معتقدين خطأ أن الشدة والعنف هما السبيل للتربية الصحيحة، وهي التي تمنعهم من الخطأ عبر الخوف؟ أمن البر أن يشعر الأبناء عند مجيء أبيهم، بالرعب والخوف من العقاب والبطش للدرجة التي تجعلهم يتحاشون طريقه أو الجلوس معه؟ بل إن بعض الآباء يعتقدون أن ملاطفة أبنائهم أمام الغير والضحك معهم وتقبيلهم خروج عن الأدب!

ورسول الله وهو خير من أشرقت عليه الشمس، عندما كان صلى الله عليه وسلّم يصلي بالناس فركب الحسين عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بين الناس حتى ظنوا أنّه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته سألوه عن ذلك، فقال عليه الصلاة و السلام: "إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجّله".

وعندما كان صلى الله عليه وسلّم يقبل الحسن والحسين ويحضنهما ورآه أحدهم فقال: لي عشرة أبناء لم أقبل أحدهم قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ما لي ولك إذا كان الله قد نزع من قلبك الرحمة".

إنني أعاود السؤال؛ أمن البر أن يسفّه الوالدان كل تصرفات أبنائهم ويشعرونهم بالعجز عن تحقيق أية نجاحات، أو أنهم عالة عليهم في المأكل والملبس والدراسة ويقارنون بينهم ليزرعوا بجهلهم العداوة والبغضاء بينهم؟

حتى أولئك الذين يعتقدون أن دورهم يتوقف عند توفير احتياجات أبنائهم من الرعاية الجسدية أو الخارجية، هم كذلك غير بارين بأبنائهم، لأنهم بخلوا عليهم بعواطفهم فراحوا يبحثون عنها عند غيرهم من الخادمات.

أمن البر أن يجهل الأب المرحلة الدراسية التي يمر بها ابنه بحجة أنه مشغول بالسعي على الرزق؟ أمن البر ألا يكون هناك حوار حانٍ بين الأم وابنتها لتعرف ما يعن لها من تساؤلات قد تنير لها طريقها في الحياة؟

أمن البر أن نميل لأحد الأبناء دون الآخر ولا نعدل بينهما؟

إنني أريد أن تكون لدينا شجاعة مواجهة النفس، وأن نضع كل تلك التساؤلات وغيرها أمامنا، ونجيب عليها بصدق وتجرد حتى نرى هل نحن بحق بارون بأولادنا قبل أن نطالبهم ببرنا؟ 

* نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية