EN
  • تاريخ النشر: 12 مارس, 2012

عاطل مع وقف التنفيذ

monawat article

monawat article

كثير من أقاربي ومعارفي وجيراني لا يزالون يعتقدون أنني عاطل عن العمل،غير مقتنعين على الإطلاق بأن مهنة "الكاتب" لا تتطلب الخروج من غرفته أصلًا، فهو لا يحتاج إلى أكثر من كمبيوتر وإبريق شاي بـ"ميرمية"

  • تاريخ النشر: 12 مارس, 2012

عاطل مع وقف التنفيذ

(أحمد حسن الزعبي) حتى لحظة كتابة هذه المقالة.. كثير من أقاربي ومعارفي وجيراني لا يزالون يعتقدون أنني عاطل عن العمل، بل ويجزمون بأنني لم أفلح بعد في اصطياد وظيفة حكومية أو خاصة "تلمّنيبسبب نقص ما في كفاءتي أو شهادتي الجامعية، غير مقتنعين على الإطلاق بأن مهنة "الكاتب" لا تتطلب الخروج من غرفته أصلًا، فهو لا يحتاج إلى أكثر من كمبيوتر وإبريق شاي بـ"ميرمية".

وقد حاولت جاهدًا طوال السنوات الثماني الأخيرة أن أقنعهم بأن طبيعة عملي لا تقتضي مني مغادرة البيت، ولا الالتزام بدوام من - إلى، كما أنني لست معنيًا ببصمة الدخول، ولا توقيع الخروج، ولا الانصياع لأوامر رئيس القسم أو تقديم التقارير إلى مدير، لكن من دون جدوى، فقد كانوا يتبعون حديثي، بعد أن يبح صوتي طبعًا: "يا سيدي، إن شاء الله ربنا ييسر لك شغلة تعيش منها وترتاح".

أول من أمس اشتريت أربعة أرغفة من مخبز حارتنا، وقبل أن أغادر المكان أخرج الخباز قصاصة جريدة من تحت كعب الميزان، قائلًا: "مطلوب محاسب بمستودع خشب.. تروح؟". لم أدر ماذا أفعل، أخذت الإعلان وشكرته! خطيب مسجدنا كذلك، للجمعة الثالثة على التوالي، يخطب عن "فضل العمل" والرضا بالمهنة، مهما قلّ شأنها، مادامت حلالًا، "فالشغل مش عيبعلى حد تعبيره، وظل يرمقني بنظرات تقصّدية طوال فترة الخطبة، إلى أن قال "هذا وأستغفر الله لي ولكمعندها تنفّست الصعداء.. حتى حماتي اكتشفتُ أنها تقوم باتصالات سرية مع زوجتي، كما تقوم بحرب تعبوية ضدي كلما سنحت لها الفرصة. قبل أسبوع أوصلت إليّ رسالة شديدة اللهجة مفادها: "بدل مهو قاعد قدام الكمبيوتر خليه يشوف شغله يؤمن مستقبل الأولاد.. ويتركه من الخرابيش الفاضية"!

بصراحة أنا أعذرهم جميعًا، لأنهم منذ بدء الخليقة وهم يرون الموظف يخرج في السابعة صباحًا ويعود عند الساعة الثالثة عصرًا، يضع جريدته تحت إبطه، ويمشي متهاديًا بأكياسه المثقلة بالبطاطا والملفوف والجرجير، وقد أفلت طرف قميصه من ثقوب حزامه المتوسعة، فكيف لي أن ادّعي أنني موظف وأنا أقضي معظم وقتي في البيت؟ فهذه عطالة ما بعدها عطالة!

وعليه، وفي محاولة لنفي تهمة "البطالة" عنّي إلى الأبد، صرت أخرج كل يوم عند الساعة الثامنة صباحًا وأتمشى أمام كل دكاكين الحي مرتديًا بدلتي وربطة عنقي، ثم أستقل سيارتي وأجلس في مقهى ناءٍ، أكتب مقالي اليومي، وأتصفح مواقع الإنترنت حتى الساعة الثالثة عصرًا، عندها أعود على مرأى سكان الحي جميعًا معززًا مكرمًا، رافعًا رأسي بالجريدة التي تحت إبطي، وحاملًا أكياسًا مثقلة بالبطاطا والملفوف والجرجير، رادًا عليهم التهاني الحارة بالوظيفة الجديدة بعبارة "عقبال عندكو".

* نقلا عن الإمارات اليوم