EN
  • تاريخ النشر: 26 أكتوبر, 2011

تعال يا محمد روح يا محمد

خلف الحربي

الكاتب الصحفي خلف الحربي

قوانين سعودة الوظائف لابد وأن تكون متماشية مع واقع الحياة حتى لا تعرض السعوديين أو الوافدين للظلم أو عدم الاستفادة منهم في العمل

من الناحية النظرية تبدو خطط السعودة منطقية جدا، فإحلال المواطنين في الوظائف التي يشغلها الوافدون أمر مطلوب، ولكن الحقيقة على الأرض تكشف أن الشروط غير الواقعية التي وضعت لتحقيق هذا الهدف أنتجت واقعا قاسيا تضرر بسببه المواطن الذي يبحث عن العمل كما تضرر الوافد المؤهل الذي يبحث عن فرصة للعيش الكريم، وخلال الفترة القصيرة التي عملت خلالها في القطاع الخاص وجدت مواطنين يحملون مؤهلات عالية يعملون بوظائف متدنية تحت إدارة وافدين غير مؤهلين، كما وجدت وافدين مؤهلين ذوي خبرات عالية مضطرين لتغيير مسمياتهم الوظيفية إلى (حداد) أو (نجار) كي يتفادوا قوانين السعودة البعيدة كل البعد عن حاجات السوق، والتي لا تضع أي اعتبار لحاجاتهم الإنسانية والعائلية.

واليوم سأروي لكم قصة يوسف عظيم صديقي الذي يبدو للوهلة الأولى كواحد من آلاف الهنود الذين نناديهم عادة باسم (محمد) كي لا نشغل أنفسنا بمعرفة أسمائهم، وقد عرفت يوسف حين راسلني طالبا ترجمة مقالاتي في مدونته، وعلمت أنه قضى أغلب حياته في السعودية قبل أن يهاجر إلى دبي وأنه اعتاد مع أخوته على قراءة مقالات العبد الفقير ثم ترجمتها لوالدته باللغة الأردية!.. وقد أضحكني هذا السطر بالذات لأنني لا أتخيل كيف سيكون إيقاع هذه الزاوية باللغة الأردية!.

لم يبخل علي يوسف بسرد قصة حياته فهو من مواليد السعودية ووالده من الطبقة المتوسطة في الهند، ولكنه كان شديد الإعجاب بجزيرة العرب، وقد حرص على تعليم أولاده اللغة العربية لأسباب دينية رغم الكلفة العالية لهذه الدراسة، درس صاحبنا إدارة الأعمال والعلوم المالية في جامعة بونا، ثم ابتعث نفسه بنفسه ليحصل على شهادة الماجستير من جامعة ويلز بامتياز، وقد حرص على أن يكون موضوع رسالته ملائما لموطنه الأول (السعودية) فقد كان عنوان الرسالة: أثر السيولة المالية على كفاءة سوق الأسهم السعودية!.

عاد يوسف إلى السعودية في عام 2006 وهو واثق تمام الثقة من حصوله على وظيفة جيدة (مسكين يا محمد !) فهو يحمل شهادة ماجستير من واحدة من أعرق جامعات العالم، ومتخصص في الموضوع الذي يشغل تفكير كل الناس في ذلك الوقت (سوق الأسهم) كما أنه يجيد العربية والإنجليزية والأوردية وهو متخصص في الصيرفة الإسلامية، ولكنه وجد أن الفرص متاحة فقط لمن يحملون جوازات سفر غريبة، وأنه سيفقد الكثير من المزايا الوظيفية والاجتماعية إذا وافق على الفرص المحدودة التي أتيحت له.

سافر يوسف إلى دبي ليحصل فور وصوله على وظيفة مرموقة وبمزايا رائعة مكنته من إحضار والدته وعائلته الصغيرة إلى دبي، بعد ذلك جاءت فرصة وظيفية جيدة في السعودية التي تعلق بها قلبه، ولكنه تذكر أنه مضطر لتغيير مسماه الوظيفي بسبب قوانين السعودة، وبالتالي سيعاني صعوبة كبيرة في إحضار زوجته، بالإضافة إلى قضية (الخروج والعودة) ففضل أن (يقضب أرضهيوسف ما زال يشعر بالحنين إلى جدة ويشتاق إلى المضغوط والمعصوب وسمك أبو يمان !.. وهو يلفت انتباهنا إلى أن الكثيرين ممن نناديهم بعبارات من نوع: (تعال يا محمد.. روح يا محمد) بإمكانهم أن يقدموا الكثير من الخدمات لهذا البلد متى ما تعاملنا مع خطط السعودة بطريقة تتلمس حاجاتنا الحقيقية وحاجات الطرف الآخر الإنسانية ولا يكون هدفها الاستعراض الإعلامي وذر الرماد في عيون العاطلين.. وكل ما أرجوه اليوم هو أن يتفضل علي يوسف بترجمة كلمة (نطاقات) باللغة الأوردية !.

 

(*) نقلاً عن صحيفة عكاظ السعودية