EN
  • تاريخ النشر: 10 يونيو, 2012

بداع في زحمة "الهياط"

monawat article

الشعر الشعبي يعاني ظلما كبيرا من المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية، فهو بحاجة إلى رؤية نقدية أخرى تختلف عن الترويج للمسابقات القبلية والفئوية التي كرستها بعض القنوات الفضائية

  • تاريخ النشر: 10 يونيو, 2012

بداع في زحمة "الهياط"

(حسن آل عامر ) كان يُميل أذنه ويوظف جميع حواسه في إصغاء كامل لمجموعة تردد ألحان اللعبة الشعبية الأشهر في منطقة عسير وهي "الخطوةثم يشير بيده إلى أن هناك خللا ما في الأداء، وعندما لا يستجيب له المؤدون بأداء اللحن الصحيح كما يعرفه وهو ابن الفن منذ صغره، يتدخل فيطلق العنان لصوته العذب الذي يبقى وحده في الأرجاء ملحقا وسط صمت الجميع. بعد أيام من حضوري ذلك الموقف، قرأت تحليلا (نقديا) لما أطلق عليه مجازا "قصيدة فصحى" والأصح أن هذا التصنيف ليس أكثر من مجاملة لصاحبها. فكل ما في أبيات "قصيدة" صاحبنا الشهير والضيف الدائم في كل مكان وزمان، نظم لا يختلف أبدا عن المنظومات الوعظية التي كانت من أهم وسائل تعليم "الكتاتيبفلا صور بلاغية ولا عمق فلسفي ولا خيال ولا شيء مما يمكن أن يكون إبداعا. ومع ذلك يراها "الناقد" عملا يستحق القراءة والتحليل الفني، الذي لا أجد له أي مكان في منظومات تتراص أبياتها كالأحجار الصماء.

لا شك أن بين الفعل الأول "الأذن الناقدة" لشخص ربما لا يكتب اسمه بالشكل الصحيح، والموقف الثاني لـ"الناقد الأكاديمي" الذي يردد مصطلحات عفى عليها الزمن، مسافة كبيرة من الاحترافية والمهنية والمصداقية، فإضافة إلى النقد السماعي بناء على المقاطع الصوتية الدقيقة جدا التي لا يدركها إلا المحترف والعاشق للكلمة، تبرز في ثنايا أبيات الشعر الشعبي في المنطقة الجنوبية بشكل عام، كل ألوان البلاغة اللفظية وخصوصا الطباق والجناس والتورية، فهذه الأشكال البلاغية هي الطاغية على كلمات قليلة وأبيات قصيرة، تعطي معاني بعيدة جدا عما يتبادر إلى ذهن المتلقي العادي. فعلى سبيل المثال لا الحصر تبرز كلمات مثل "العسل" و"الشيح" و"الكادي" كدلالات رمزية إلى المرأة ذات الجاذبية والجمال الطبيعي. أما الجناس التام، فهو ميدان الشاعر الجنوبي المتميز حيث يحكم على مستوى الشاعر من خلال قدرته على توظيف الكلمة الواحدة بأكبر عدد من المعاني المختلفة تماما.

ما أعنيه هنا أن الشعر الشعبي سواء في الجنوب وغيره، يعاني ظلما كبيرا من المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية، فهو بحاجة إلى رؤية نقدية أخرى تختلف عن الترويج للمسابقات القبلية والفئوية التي كرستها بعض القنوات الفضائية، فأساءت لهذا الفن الأصيل بدلا من خدمته بالشكل الصحيح. ولذلك تحول إلى مجرد "هياط" ومفاخرة ومديح مموج، وهو ما تسبب في تبرؤ المؤسسات الثقافية والأكاديمية منه ونبذها له. مما أضاع كنزا ثقافيا وفكريا ينبع من الأرض ويمثل قضايا الإنسان اليومية بكل مصداقية وإبداع.

 

*نقلا عن صحيفة الوطن السعودية