EN
  • تاريخ النشر: 21 يونيو, 2012

الكرة أفيون الشعوب

monawat article

غريب سر لعبة كرة القدم، إذ تتسع شعبيتها ونفوذها على غيرها من الألعاب الرياضية على مستوى العالم بأسره. ذلك النفوذ جعل كسينغر نفسه يعتبرها أحد أضلاع مثلث الهوية الوطنية لكل الدول، فوازى بين أهمية الجيش والعملة ومنتخب الكرة لاكتساب الاعتراف العالمي والصعود على المشهد السياسي الدولي

  • تاريخ النشر: 21 يونيو, 2012

الكرة أفيون الشعوب

(عمر العمر) على عتبة سبعينيات القرن الأخير حقق هنري كسينغر اختراقاً في العلاقات الأميركية الصينية عبر ما بات يعرف بدبلوماسية «البنغ بونغ»، عندما اصطحب فريق كرة لتنس الطاولة إلى بكين. من سوء طالع وزير خارجية أميركا وقتئذ عدم انتشار كرة القدم في بلاده آنذاك وعدم ازدهارها في الصين. إذاً لكان كيسنغر مارس ما يعرف في السياسة بحرق المراحل في علاقات واشنطن وبكين.

غريب سر لعبة كرة القدم، إذ تتسع شعبيتها ونفوذها على غيرها من الألعاب الرياضية على مستوى العالم بأسره. ذلك النفوذ جعل كسينغر نفسه يعتبرها أحد أضلاع مثلث الهوية الوطنية لكل الدول، فوازى بين أهمية الجيش والعملة ومنتخب الكرة لاكتساب الاعتراف العالمي والصعود على المشهد السياسي الدولي.

ذلك هو النفوذ الدافع لكل الحكومات من أجل صعود منتخباتها إلى نهائيات المونديال والأولمبياد ومنصات التتويج الإقليمية. هو سحر يذيب الحواجز بين ميادين اللعبة وأروقة السياسة حد التماهي، حيث تصبح اللعبة سياسة، والسياسة لعبة، فلا يقتصر التنافس على اللاعبين في الميدان، بل تصبح منافسة بين الحكومات والدول والشعوب.

غريب نفوذ وسحر كرة القدم، إذ تملك الهيمنة على توحيد الشعوب وتشطيرها في الوقت نفسه، فهي تقسم العالم أفقياً ورأسياً، وتجمع شعوبه وتفرقهم على المنوال نفسه.

المعلق المتميز عصام الشوال لا يجافي المنطق عندما يستعير عبارة المفكر الإنجليزي تيري ايغلنون «الكرة أفيون الشعوب»، فهي وحدها دون غيرها من الألعاب واللعب تدغدغ مشاعر الجماهير وتلهبها على نحو يذوِّب التضاريس الثقافية والاقتصادية والإثنية، ويقفز فوق الثارات التاريخية. هي أفيون ينسينا همومنا اليومية، ويمنحنا النشوة الجماعية بالفوز والنصر، أو يغمرنا ببرد الخيبة والاكتئاب.

تحت هذا الشعور الطاغي نصبح قبائل كروية، تجرفنا جاهلية إلى جوادين في إنجلترا وتورين في إسبانيا ونردين في إيطاليا. من فائض مشاعرنا الهائجة بفعل الأفيون نتعاطف مع فرنسا، متجاهلين ضحايانا المتناثرين عبر التاريخ من وهران إلى ديان بيان فو.

بالإحساس نفسه نتحمس للإنجليز، قافزين فوق حدودنا المرسومة بأمرهم. وقضيتنا المركزية المخبوزة بأيديهم ـ بفيض المشاعر ذاتها نتفاعل مع فرح اليونانيين المؤقت تحت كسادهم الاقتصادي، وتغمرنا خيبة الهولنديين، مع أننا لا نعرف عنهم أكثر من طماطمهم أو باقات وردهم.

هي أفيون خرافي يقولب شعوباً وينمط أخرى. هكذا يكتسب الإنجليز بعنفهم صورة تضيف إليهم هوية جديدة. هي أفيون يصهر شوفينية الدول الكبرى. حيث تستسلم لخدرها فيبدو أكثر من منتخب أوروبي أبيض في مظهر خلاسي.

هي أفيون يمنح أبناء المستعمرات القديمة المهاجرين إلى العواصم الكوليانية الروح الوطنية الحديثة في المهاجر الجديدة. هو سحر الأفيون نفسه، به يصعد أبناء الأحياء المهمشة والضواحي حول العواصم والمدن الأوروبية الكبيرة إلى الطبقات المخملية في مجتمعات الرفاهية.

هو الأفيون مانح فتية ملونين فرص الثروة والشهرة والفوز بفتيات البؤر الاجتماعية الرافلة في الأضواء. هؤلاء المحظوظون ينتزعون حقوق المواطنة بأرجلهم، وبما يملكون من دماء تجدد شباب المجتمعات العجوز الشائخة المنهكة. كرة القدم أفيون له سحر صهر الفوارق الجيوسياسية

* نقلا عن صحيفة البيان الإماراتي