EN
  • تاريخ النشر: 05 مايو, 2012

العروبة ليست نسبًا

monawat article

لن أنكر خطر الانتماء العصبي في القومية الواحدة ذاتها، فقد استرجع كثير من العرب عصبيات الجاهلية

  • تاريخ النشر: 05 مايو, 2012

العروبة ليست نسبًا

( د. رياض نعسان أغا) أعجب ممن يتمسكون بالأعراق والإثنيات، وهم ينظرون إلى العرب نظرة قلق، متناسين أن العرب أنفسهم لايتمسكون بالعرق، إنما يفهمون العروبة ثقافة وانتماء إلى حضارة ساهمت فيها كل الشعوب التي جمعها الإسلام في رحابته.

ولا يعني هذا أن ينكر أحد عرقه أو نسبه، لكنه يعني ألا نفقد نحن العرب والشعوب التي حققنا معها اندماجاً تاريخياً، زهْونا بالانتماء إلى أعمق تجربة مثاقفة عرفتها البشرية في تاريخها كله.

ومن يقرأ التاريخ يدرك أن كل الحروب والصراعات التي سبقت الإسلام لم تترك إلا القليل من الآثار، فالحروب الميدية الفارسية وما تلاها من فتوحات الإسكندر المقدوني في الشرق، ثم الغزو الروماني والإمبراطورية البيزنطية، كلها ضاعت في التاريخ، ولم يبق منها سوى بعض الآثار العمرانية التي حافظ عليها العرب المسلمون، فأما الفكر والثقافة فقد صهرهما الإسلام في رحابته، وهو الذي أعاد إلى ثقافة اليونان حضورها بعد موت واندثار، فما تحقق من ترجمات في مدرسة الإسكندرية لم يكن سيبلغ ذورته لولا إقبال المفكرين المسلمين عليه، وبعضه تحقق في القرن الهجري الأول في عهد بني أمية، ثم توالت الترجمات في القرون اللاحقة، حتى تمكّن فيلسوف عربي أندلسي من استعادة فلسفة اليونان وأطلق أرسطو في الثقافة العربية الإسلامية، وأخذه الأوروبيون عن ابن رشد ليبدؤوا معه عصر نهضتهم، وهذا الانفتاح العربي الإسلامي على ثقافات الأمم والشعوب، هو الذي أغنى الحضارة العربية الإسلامية، وجعل اللغة العربية لغة الثقافة العالمية، فضلاً عن مكانتها الدينية لكونها لغة القرآن الكريم، ولم يكن العرب يضيقون بمن يكتب أو يتكلم بلغته الأم من هذه الشعوب التي ضمتها دولتهم الشاسعة، فشعراء الفرس كتبوا أجمل أشعارهم بلغتهم الفارسية مع أنهم كتبوا كثيراً من مؤلفاتهم بالعربية، بل إن جل علماء النحو العربي كانوا من الفرس، وقد برعوا فيه أكثر مما برع فيه كثير من العرب، وكذلك كان ابن جني اليوناني أبرع النقاد في فهم المتنبي وكان أبو الطيب يقول : ابن جني أعلم بشعري مني.

ولقد فهم المسلمون الأوائل أن الانتماء إلى الإسلام أكبر من كل الانتماءات الأخرى، وحين نتقرى معالم الثقافة الإسلامية، نجد ماهو أبعد من الانتماء إلى الإسلام، بوصفه ديناً، فهناك انتماء أكثر رحابة هو الانتماء إلى لغة العرب وإلى ثقافة الإسلام وحضارته، وهذا ما جعل كل مثقفي الديانات الأخرى، أركاناً مهمة في الثقافة الإسلامية، من دون أن يكونوا بالضرورة مسلمين. وإذا كانت كل أمم الأرض اليوم تعترف بأن بيت الحكمة في بغداد هو أول جامعة علمية في التاريخ الإنساني، فإن تأمل بنية هذا البيت يكشف عن انفتاح نوافذه على كل الثقافات والعقائد والأديان، وحسب المتأمل أن يعلم أن أبا جعفر المنصور وهو مؤسس بيت الحكمة، أرسل إلى إمبراطور الروم يطلب منه أن يرسل إليه ما لديه من كتب اليونان، كي يقوم المترجمون بنقلها إلى العربية، وكذلك فعل هارون الرشيد، فبعد أن فتح بيزنطة أوكل إلى يوحنا بن ماسويه، مهمة ترجمة كتب الرومان، وبعده تابع المأمون المهمة، واستقدم من قبرص خزانة كتب الروم، وحسبنا أن نعلم أن رئيس هذه الجامعة لم يكن مسلماً، فهو ثابت بن قرة، وهو صابئي من حران، وكذلك كان ابن أخته العلامة الفلكي الشهير البتاني، فأسماء علماء بيت الحكمة تقدم الشواهد المثلى على هذه التعددية الفكرية والتنوع الثقافي.

وقد يعترض قائل يرى أن الشعوب غير العربية سرعان ما استردت قومياتها ولغاتها على الرغم من بقائها في الإسلام، وهذا ما نؤيده، وسره انفتاح العرب على لغات الآخرين وثقافاتهم، فلولا النزعات الشعوبية التي ظهرت عند بعض الناس من تلك القوميات لبقي المسلمون أمة واحدة، ولن أنكر خطر الانتماء العصبي في القومية الواحدة ذاتها، فقد استرجع كثير من العرب عصبيات الجاهلية، وذاك ما عانته الأمة في صراع خفي حيناً، ومعلن حيناً آخر، حتى بين القيسية والمضرية، وكان ذلك في القرن الهجري الأول، لكنه لم يكن يطغى على ثقافة الأمة، فإذا حضر الإسلام بعدالته وقوته، أذعن الجميع للعدل والإنصاف، وإذا غابت العدالة ظهرت العصبيات والقبليات، وخير دليل على هذا الحضور عهد صلاح الدين الأيوبي الكردي، ثم عصر الظاهر بيبرس الكازاخي، وقد منحتهما الأمة ولاءها، وقد حقق الأول نصر «حطين» على الصليبيين، وحقق الثاني نصر «عين جالوت» على المغول.

ولابد من استعادة فهم الرسول محمد «عليه الصلاة والسلام» مفهوم الأمة والعروبة في قوله الشريف (ليست العربية لأحد منكم بأب ولا أم، إنما العربية اللسان) أي الثقافة، وهي الانتماء الأهم من انتماء الأعراق والأنساب التي اختلطت عبر الزمان.

 

مجلة المرأة اليوم