EN
  • تاريخ النشر: 09 أبريل, 2012

السكينة.. في عالم يموج

محمد الدحيم

محمد الدحيم

السكينة والحكمة يجب أن تكون مشروع العصر الراهن عبر التعليم والإعلام والخطاب الثقافي العام، وعبر منتجعات الاسترخاء والتأمل

  • تاريخ النشر: 09 أبريل, 2012

السكينة.. في عالم يموج

(محمد الدحيم) لكل عصر روح وشرور. ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره كما يقول فولتير. وفي عصر نحن نتاجه.. عصر المعلوماتية والانفتاح التواصلي.. عصر تغلبت فيه جغرافية المعرفية على جغرافية المكان، وصارت القوة لمن يحسن فن رسم الخرائط في واقع سريع ومعقد ومصلحي؛ يتضاعف التعقيد على مجتمعات بطيئة في قراراتها وأفعالها، ناقصة في حرياتها، مأسورة بعقبات التخلف، ومسكونة بهواجس الخوف والاستلاب، تتسلى بهوية تشظت إلى هويات من نسج الأوهام.

عالم يموج بالحروب والنزاعات، وتفتك به الأمراض والآفات، انتشر فيه الظلم وغابت العدالة.. عالم صار فيه الإنسان منزعجًا قلقًا مضطربًا، لا تشير بوصلته إلى الاتجاه الصحيح في كثير من الأحيان. ولا أضر على إنسان هذا العصر من غياب المفاهيم والسلوك لأعظم مبادئه وقيمه ومقدراته كالحب والعطاء والتسامح والسلام.

في ظل هذا العالم الجامح، فإن مجموعة من الشباب والفتيات بدؤوا البحث عن طريق للعيش بسلام، واكتشاف عمقهم الروحاني؛ ليتجاوزوا حروب الكلام، ومعسكرات الأيديولوجيات والمعتقدات، وليخرجوا من سجون العقل المحدود إلى فضاءات النفس وآفاقها، ومن أوهام الأنا الزائفة إلى نزاهة الأنا الحقيقية، في حال لا تختصم مع العقل، ولكنها تفهم أدواره الشريفة، بدون أن يكون له سلطة مطلقة يحاكم فيها الروح، ويمنطق كل الوجود.

لقد لفت انتباهي في المعرض الدولي للكتاب، وعلى صفحات «تويتر»، شغفهم بالحديث عن السكينة والنجاح الروحي، فكانت التغريدات في هذا الموضوع تجد صداها وتفعل أثرها، كما كان الإقبال في معرض الكتاب شديدًا على الكتب الروحانية للحكماء والمعلمين من أمثال «أوشو الحكيم الهندي»، التي زخر المعرض بمجموعة مما دُوِّن من حكمته؛ لأنه- كما يعلم البعض- لا يؤلف كتبًا، بل يدون عنه أتباعه، كما كان من الكتب الأكثر اهتمامًا مؤلفات المعلم الروحاني «إيكهارت تول»، سيّما كتبه الثلاثة "قوة الآن" و"أرض جديدة" و"حديث السكونإضافة إلى كتب لمؤلفين ومعلمين آخرين.

والشاهد من حكاية الحال أن الجيل الشاب يستأنف ما فات من قبله ممن استخدمتهم عقولهم بدل أن يستخدموها، أولئك الذين تركز اهتمامهم كيف يمتلكون، ولم يتركز اهتمامهم كيف يكونون، فصارت الحياة لا روح فيها حين تحولت إلى حركة وإرادة للمادة، وما نتج من ذلك من أمراض النفس وضغوط الحياة.

لعل ذلك يأذن بفجر جديد لعصر الحكمة؛ حين يهدأ العقل بسكينة النفس، ويستطيع الإنسان أن يتدبر حاله، ويعيش فرحته وسعادته، ويحقق إنسانيته.

إن السكينة والحكمة يجب أن تكون مشروع العصر الراهن عبر التعليم والإعلام والخطاب الثقافي العام، وعبر منتجعات الاسترخاء والتأمل.. مشروع يقوم به المعلمون الحكماء من علماء الدين المتبصرين، ومن أهل الحكمة والرأي والتجربة السديدة، وهو خيار بات ملحًّا، وأي تأخر فيه تجاهل للحقيقة، بل وعداء لها، وهو ما سيجنيه المجتمع وبالاً حين يكون النزق هو سيد الموقف في القرارات والتحولات، وحين يطغى الزيف والمزايدات في كل الخطابات.. المجتمع هو ضحية الظلم والنزق والكراهية والبغضاء والتفكك وكل مخرجات اللا روح واللا وعي.

إن الخطاب الديني يجب أن يكون واعيًا أكثر من غيره، وأن يكون يقظًا من أن يُشغل ويُستغل للصراعات والشعارات. وعلى علماء الدين عبء الوعي الذاتي الذي يدركون به رسالتهم في فهم التدين كنور مشكاة النبوة؛ هدى ورحمة، يجد الناس فيه مستراحهم من متاعب الحياة، فيجدون سكينتهم في المساجد التي -مع الأسف- لم يعد بعضها كذلك حين فقدت روحانيتها وجاذبيتها لضعف الاهتمام بها ونقص ما يلقى فيها من الحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ تحولت خطبة الجمعة إلى نشرة أخبار وتحليل أحداث، وانقلبت الموعظة زجرًا، والفقه خلافات وترجيحات لا تنتهي إلى ما يهذب السلوك ويهيئ النفو.، وإصلاح المساجد مشروع يحتاج إلى جهود أكثر وأكبر.

ولا يكتفي مشروع الحكمة والسكينة على علماء الدين، لكنهم حجر زاوية فيه. وعلى كل أحد مسؤوليته؛ فـ«كلكم مسؤول»، والخير مقبل بإذن الله، فالحول له والقوة به.

نقلاً عن صحيفة الحياة الطبعة السعودية.