EN
  • تاريخ النشر: 25 فبراير, 2012

الدنيا.. سلف ودين

سامي الخرافي

سامي الخرافي

بروا آباءكم، وأحسنوا إليهم، وتذكروا دائما أن العاق لوالديه لا يدخل الجنة مهما عمل

  • تاريخ النشر: 25 فبراير, 2012

الدنيا.. سلف ودين

(سامي الخرافي) يقول الله سبحانه وتعالى: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) (سورة الإسراء).

أخبرني أحد الأصدقاء أن امرأة غنية جدا، توفي زوجها وترك لها ثروة طائلة وثلاثة من الأطفال.

وكان لهذه الزوجة أم كبيرة في السن تقوم برعاية أولاد هذه الزوجة أثناء ذهابها للعمل أو السفر «وما أكثرها»، وكانت أمها كثيرا ما تنصحها بأن تترك السفر لكي تهتم بها وبأولادها ولكن «لا حياة لمن تنادي». وبقيت هذه الزوجة على هذا الحال سنين طويلة، وأطفالها يكبرون عند جدتهم، وقد فقدوا حنان الأم ورعايتها بسبب انشغالها الدائم بالعمل والسفر، بل إن هذه الزوجة كانت في كثير من الأحيان تقوم بإهانة أمها أمام أطفالها، وتقول لها: «ما لج شغل فيني يا العجوزة».. متى تموتين من هذا الإزعاج؟، وكانت الجدة تمسح دموعها بطرف «ملفعها»، والأولاد يشاهدون ما تفعله والدتهم بجدتهم التي شغلتها الدنيا عن تربيتهم ورعايتهم، وفي أحد الأيام مرضت الجدة ودخلت إلى المستشفى، وأحفادها يجلسون حولها، في حين كانت أمهم لاهية بحياتها وسفراتها، لم تكلف نفسها بزيارة والدتها، رغم أن أولادها اتصلوا بها وأخبروها عن حالة جدتهم الصعبة والميؤوس منها، إلى أن شاء القدر وتتوفى الجدة بعد صراع مع المرض.

وتدور الأيام والسنون، وكبر الأولاد، وأصبح لكل واحد منهم وظيفته ومكانته، أما الأم فقد كبرت وأحست بحاجتها إلى أولادها ليكونوا بقربها.. وسبحانك ربي، فعل الأولاد ما فعلته أمهم بجدتهم، فكانت ترجو أولادها أن يحضروا لتراهم فقط، لكن «عمك أصمخ»، وقدر الله تعالى أن تصاب الأم بـ «المرض الخبيث»، وتدخل المستشفى فيطلب الأطباء منها البقاء فيه، لأن أيامها أصبحت معدودة، وهي تتمنى رؤية أولادها ولو للحظة لكي تحضنهم قبل أن تلقى أجلها، وكانت ترجو الممرضة لتتصل على أولادها لتخبرهم بأنها تريد رؤيتهم مرة واحدة فقط، وفعلا حضر الأبناء لزيارتها، فكانت الزيارة الأولى والأخيرة، لأن الأم توفيت بعد زيارتهم بساعات، ومن المؤسف أنهم قالوا لها عند زيارتها ماذا استفدت من الأموال الطائلة؟ أين حنانك لنا كل هذه السنين؟، كيف ستقابلين ربك وأنت «ملكة العقوق»، فتنكرت لجدتنا وقسوت عليها، وكنت تسيئين معاملتها، هل تتذكرين ماذا قلت لأمك، ماذا جنيت من الأموال؟ وماذا أفادتك سفراتك وانشغالك عنا؟، نحن الثلاثة حضرنا إليك لأنك أمنا، ولا نريد أن نكون مثلك عاقين، نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يسامحك ويغفر لك.

ورغم ذلك لم تنس الأم أن تحض أبناءها وتطلب منهم أن يسامحوها، وألا يكونوا مثلها مع أولادهم لأن «الدنيا سلف ودين».

فبروا آباءكم، وأحسنوا إليهم، وتذكروا دائما أن العاق لوالديه لا يدخل الجنة مهما عمل.

فقد قال رجل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن لي أما بلغ منها الكبر انها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا. لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تتمنى فراقها، ولكنك محسن، والله يثيب الكثير على القليل.

وقيل لعلي بن الحسين، رضي الله عنه، إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صفحة، فقال: أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تسبق إليه عيناها فأكون قد عققتها.

اللهم اجعلنا من البارين بوالدينا، واجعل أبناءنا من البارين بنا، اللهم آمين.

* نقلا عن صحيفة الأنباء الكويتية