EN
  • تاريخ النشر: 03 أبريل, 2012

التلفاز يسرق منّا أطفالنا

monawat article

من السلبيات التي تواجه الأطفال ونتيجة لإدمانهم للتلفاز وللألعاب المرئية، هو عدم اختبار قدراتهم العملية كالقوة والضعف، وذلك من أجل تحقيق رغباتهم المستقبلية كراشدين، سواء كان في اللعب أو في العمل

  • تاريخ النشر: 03 أبريل, 2012

التلفاز يسرق منّا أطفالنا

الحيرة التي تنتاب كل أم أو أب محبين للقراءة، هي كيفية نقل هذه التجربة الجميلة وتصديرها لأطفالهم الأعزاء. ولعل التحدي الأصعب حين تكتشف أن صغيرك لا يعتبر القراءة شيئًا مثيرًا، أو يمكن أن يقدم له البديل الأفضل للتلفاز أو لمختلف الألعاب التي تغلف حياة جيل الصغار بالشغف والمتعة.

ولا أدري إذا كانت هناك أسر حتى يومنا هذا، تحاول أن تخلق أجواء أكثر تشويقًا وتسلية من متابعة البرامج التلفزيونية، التي أصبح وجودها في حياة الطفل ضرورة أهم من وجود الأم والأب أنفسهم. لذلك لن نتعجب حين نواجه باعتراف كثير من الأمهات والآباء الذين يبررون كثرة مشاهدة الأطفال للتلفاز، بأنه يوفر لأبنائهم التسلية الملائمة، وفي الوقت نفسه يوفر لأنفسهم لحظات من الهدوء، ولا ينسى بعضهم أن يستدرك، فيؤكد أنهم حريصون كل الحرص على ترك أطفالهم أمام شاشات تبث برامج تربوية تقدم ما هو مفيد ومسل، وذلك تخفيفًا من عقدة الذنب التي تتولد مع الوقت الطويل، الذي يتركون فيه صغارهم تحت رحمة هذا الجهاز.

فالحقيقة أن معركة الكتاب مع التلفاز والألعاب التلفزيونية، ستحسم لصالح الطرف الأخير، وسيتحتم على الأسر أن تدفع ثمن هذه القطيعة بين الطفل والكتاب، فحتى الإغراءات المادية لن تجدي نفعًا في بناء جسر بين رغبات الطفل وبين رغبات الوالدين، ولذلك تظل خيبة الأمل تتجدد كلما خسرنا جيلًا بعد جيل، وخسرنا معه متعة القراءة وفن القراءة وأسلوب التعاطي مع المعرفة، التي هي في الأساس "الكلمةوليست تلك الصور المطبوعة في أذهان الطفل ومشاهداته المعلبة.

ففي دراسة جميلة تحدثت عن "الأطفال والإدمان التلفزيونيأكدت أن نمو الأطفال يتطلب فرصًا لتحقيق علاقات أسرية أساسية تؤهلهم لفهم أنفسهم، لكن كل ما تفعله التجربة التلفزيونية هو تقليص هذه الفرص، بل كتبت فتاة في العشرين من عمرها وهي تحسب الساعات العشرين ألفًا التي قضتها من حياتها أمام التلفاز، تقول "أنا لم أشاهد هذه البرامج بكثرة حينما كنت صغيرة، فقد كنت أتركها تغمرني، وأنا اليوم أدرس تلك الساعات كما يفعل طبيب نفسي على أريكته الخاصة، باحثة بشغف عن مفتاح ما داخل جهاز التلفاز، لعله يشرح لي كنه الشخص الذي أصبحته".فالحقيقة التي تشير إليها الدراسة، هي أن الطفل يحتاج إلى التحرر من التبعية من خلال تحرير طاقاته، لكن تجربة التلفاز تساعده على استمرار هذه التبعية دوما، كما أن مهارات الاتصال التي يحتاج الطفل لاكتسابها من قراءة وكتابة وتعبير عن الذات بمرونة ووضوح، لا يعززها انسحاب الطفل نحو التلفاز، لأنه باختصار يظل وحدة استقبال سلبية، فلا يمكنه تنمية الجانب اللفظي، ولا توجد مشاركة لفظية واقعية من جانبه أساسًا.

إن من السلبيات الكثيرة التي تواجه صغارنا اليوم نتيجة إدمانهم للتلفاز ولكل الألعاب المرئية، عدم اختبار قدراتهم العملية كالقوة والضعف، وذلك من أجل تحقيق رغباتهم المستقبلية كراشدين، سواء كان في اللعب أو في العمل، إضافة إلى حاجتهم للتنبه العقلي الذي يتحقق بصورة أفضل حين يمكنهم تعلم الأداء اليدوي واللمس والفعل، وليس مجرد المشاهدة السلبية. فالمهارات الحياتية والأسرية التي تؤهلهم ليصبحوا مستقبلا آباء ناجحين، تتطلب مشاركة فعلية عملية في الحياة الأسرية والتجارب اليومية كأفراد، ومن المفيد أن يتفهم الوالدان هذه المسؤوليات لحماية صغارهم من الهدر التلفزيوني الذي يؤدي إلى عبودية الأطفال لهذه الأجهزة.

ورغم هذه السلبيات، ورغم ازدياد استياء الوالدين من تدخلات التلفاز في حياتهم الأسرية وتفاقم شعورهم بالذنب لعجزهم عن السيطرة على الوقت الطويل لمشاهدته، إلا أن أغلبهم وللأسف لا يفعلون شيئا لتخليص أنفسهم من هيمنته.

ولعل أخطر ما في هذا الجانب، هو أن بقاء الأطفال أمام التلفاز قد يضع الطفل في حالة تشبه حالة "الحي ـ الميت". فقد لاحظ بعض الباحثين أن الأطفال يبدون غائبين عن الوعي أثناء مشاهدة التلفاز أو ممارسة الألعاب التلفزيونية، ولا يعرفون هل هذا نتيجة قوة التركيز أو الذهول أو الاسترخاء، لكن بعضهم يستبعد أن تسبب مشاهدة التلفاز نشاطا ذهنيا قد يسبب نوعا من أنواع الاسترخاء، بل على العكس يرون أنه قد يسبب حالة عقلية سلبية، ويولد لدى الطفل قابلية للتأثر تفوق ما يحدث له بصورة طبيعية.

والحقيقة التي ليست جديدة على بعضنا، تدور حول البرامج التي تقدم قدرًا تعليميًا للطفل، والتي قد تمكنه من تمييز الحروف والأعداد في الواقع، إلا أن الأبحاث أثبتت أنها قد لا تحقق أية مكاسب مستمرة أثناء تقدمهم في الدراسة.

وقد أسقطت هذه الحقيقة الاعتقاد السائد بأن وضع الطفل أمام هذه البرامج قد ينتج عنه نوابغ وفلتات بين صغارهم، ووجد الباحثون أن الآباء يتأثرون كثيرا بأي قسط من التعليم يحققه أطفالهم في هذه السن المبكرة، تجعلهم يخرجون من تعلم أشياء قليلة من البرنامج إلى إطلاق تعميمات عن مكاسب تعليمية أبعد بكثير، فيكفي أن يعرف هؤلاء الآباء أن أطفال الثلاث والأربع سنوات، قد يكون مستوى فهمهم أقل بكثير للمادة التلفازية التي قد أعدت سلفًا لفئاتهم العمرية.

ولعل أخطر حقيقة قرأتها حول الآثار المحتملة لغزارة الانغماس في مشاهدة التلفاز، هو تأثيره على نمو دماغ الطفل، وذلك بتأثيره على شبكات حسية وعصبية تتعلق بالفهم والإدراك واللفظ والبصر. وكلما تمعنّا أكثر في هذه الحقائق تتولد لدينا الرغبة في إيجاد بدائل تحرر عقول صغارنا وتحافظ على نموهم العقلي، دون أن تفقدهم الواقع الذي لا يشبه كثيرًا ما يبث على فضائياتنا.

* نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية