EN
  • تاريخ النشر: 16 أكتوبر, 2011

افتتاح في الهواء الطلق

fan article

fan article

الاحساس بالغربة أكثر ما عبر عنه الفيلم الافتتاحي لمهرجان أبو ظبي السينمائي حيث قضية انتحار لم تعرف أسبابها حتى نهاية العمل

خلف البراءة ربما تجد مساحات من الغموض الذي يُنبت بذورا من الشك تطاردك وتحوم حولك، وتأتي لقطة النهاية وهي لا تحمل إجابة قاطعة، ولكن تطرح هي أيضا علامات استفهام جديدة.

يجمع فيلم الافتتاح الكندي في مهرجان أبو ظبي «السيد لزهر» بين السحر والغموض، متمثلا في قضية الانتحار والإحساس بالغربة في المنفي الإجباري للبطل الجزائري، ورؤية إنسانية تحوط العالم كله، حيث تتوالد الأسئلة التي لا ندري حقيقة إجابات قاطعة عنها، ويمنحها الغموض تفسيرات متعددة بل وأسئلة ما إن يخفت واحد حتى يتجسد أمامنا الثاني، إنها الطبيعة البشرية تختلف حدتها ودرجتها بين إنسان وآخر، إلا أنها تفضل للمسكوت عنه أن يعيش في طي الكتمان حتى لا يفضح المستور، ولهذا يبدو سؤال بطل الفيلم بشير لزهر لتلاميذه عن الدودة واليرقة والشرنقة والفراشة، هي تنويعات علي حقيقة واحدة مهما تعددت الأشكال. كما أنه في حصة التعبير لا يكتفي بأن يصحح ورق الإجابات لتلاميذه، بل يطلب منهم أن يصححوا هم أيضا ورقته، كلنا أمام معضلة الحياة تلاميذ.. «السيد لزهر» يؤدي دوره بألَق ودفء الممثل الجزائري محمد فلاق.

الكل لديه ما لا يريد إعلانه ليس فقط لأنه يخشي منه، ولكن ربما لأنه لا يدري حقيقة تفاصيل ما يجري ودوافعه وأسبابه الحقيقية، ولهذا نرجئ كشف الحقيقة بحجج مختلفة، بينما السبب الذي لا نعلنه عادة هو أننا لا نريد المواجهة، ولكن قبل أن نتواصل مع أحداث الفيلم أعرض عليكم أولا كيف شاهدناه.

سينما في الهواء الطلق كان أحد الأسباب الرئيسية التي رأينا خلالها افتتاحا سينمائيا مختلفا لمهرجان «أبوظبى».. ربما لم يساعد الجو الحار نسبيا علي الاستمتاع بالحالة العامة للحفل، كما أن الكراسي التي وضعت في دار العرض المطلة علي الشاطئ لم تكن ملائمة لكي نتحملها علي مدي يقترب من الساعات الأربع، هذا لو أضفنا زمن تقديم الحفل، لأن هناك تأخيرا في الموعد المحدد لبدء الحفل زاد على ساعة زمنية.. تردد أن بعض النجوم في أثناء صعودهم على السجادة الحمراء، تلكؤا في السير للوقوف دقائق أكثر أمام الشاشات وعدسات المصورين.. حتى لو كان ذلك صحيحا فإن هذه تظل مسؤولية منظمي المهرجان!

الفيلم يحض على المعايشة الكاملة مع الشريط السينمائي، بينما سينما الشاطئ تحتاج إلى نوعيات أخرى تميل إلى المرح والفكاهة ولا تتطلب إلا القليل من التأمل، فهو فيلم لدار عرض جدرانها تحمي أفكارك لتتوحد مع حالة الفيلم.. ورغم ذلك فلقد تغلبت على كل الأجواء غير الملائمة للمشاهدة، لأن الفيلم لديه ما يجذب ويحض على أن تتماهى معه.. البداية ساخنة جريمة انتحار حيث نرى بعيون الطفل المُعلمة وقد شنقت نفسها في حجرة التدريس، بعد أن اختارت هذا الموعد والمكان في أثناء احتفال أقامته المدرسة للطلبة.. وتأتي الأسئلة متلاحقة لو أن المعلمة أرادت التخلص من حياتها فلماذا تختار الانتحار أمام تلاميذها؟ هل شعرت بفداحة جرم ما ارتكبته؟ هل مثلا تورطت في علاقة مع أحد التلاميذ خصوصا أن هذا التلميذ ظل محتفظا بصورة شخصية لها وشاهدوه وهي تعانقه؟ يُطرح الاتهام أو ظلال له تتناثر هنا وهناك، وبعد ذلك تتوالد الإجابات أو التخمينات وربما الاتهامات، وبنفس حالة الهمس في طرح السؤال الدرامي وتقديم الإجابة عنه.. يعانق الأستاذ لزهر في اللقطة النهائية إحدى تلميذاته التي ينعتها بالمفضلة، مثلما عانقت المعلمة التي انتحرت تلميذا لها عناق أم لابنها، ولكن هناك من أضاف أشياء خارجة عن النص والمنطق والأخلاق!

لزهر يريد أن يعرف الإجابة، هو ليست لديه اتهامات مسبقة، ولكنها تساؤلات مشروعة للأستاذة التي اختارت أن تترك في وجدان تلاميذها صورة لا تمحى من ذاكرتهم.. أمام إصرار الأستاذ على معرفة الإجابة تبدأ مديرة المدرسة في محاولة لكي تكشف هي أيضا سر الأستاذ.. إنه ينتظر حق اللجوء السياسي في كندا بعد أن اضطر إلى مغادرة بلده الجزائر في التسعينيات، في أثناء سيطرة الإسلاميين المتطرفين على مقدرات البلد وإرهابهم، ما أدى إلى إضرام النيران في بيته وإلى انتحار ابنته خشية الاحتراق.. يحصل الأستاذ على حق اللجوء السياسي بعد أن تأكدت سلطات التحقيق أنه لا توجد شبهة جنائية في انتحار الابنة.. لم يقدم المخرج وكاتب السيناريو «فيليب فالاردو» إجابات قاطعة عن أسباب انتحار المعلمة، لكن أليس من حقها أن تعانق تلميذها ببراءة؟

(*) نقلاً عن صحيفة التحرير القاهرية