EN
  • تاريخ النشر: 23 سبتمبر, 2011

أين يذهب شبابنا في إجازة اليوم الوطني؟

 
هيجان القطيع ظاهرة عالمية، وهي التي أصابت وتصيب شبابنا كل عام في مناسباتنا الوطنية، وكأنهم يقولون في لاوعيهم: نحن هنا، نحن موجودون، نحن نعيش معكم، فلماذا كل هذا الإقصاء لنا، حتى في مناسبات الفرح الوطنية؟
الأيام الوطنية لمعظم الدول هي مناسبة فريدة، من حيث كونها تمثل تاريخ اليوم المجيد الذي نالت فيه الدولة استقلالها أو توحدها، أو بناء كيانها، وما شابهه من مناسبات وطنية فارقة، جعلت منه، يوما لا يشبه سابقه، ولا يعادل بقيمته التاريخية لاحقه. ولذلك فاليوم الوطني مناسبة وطنية فريدة، لا يتم من خلالها فقط الاحتفال بما أنجزته البلاد من مكاسب سياسية وأمنية وعمرانية وحضارية، ولكن أيضاً، الاحتفال ببذر التلاحم، من خلال استعراض مشاركة الجميع بالفرح، الذي هو مطلوب من الجميع، ومن حق الجميع بأن يعبروا من خلاله عن فرحهم، كحق وطني مكتسب.
نحن من أقل شعوب العالم، مناسبات احتفالية، وحتى في القليل مما نحتفل به من مناسبات، يتم إقصاء فئة الشباب. ولم يتم اعتبار اليوم الوطني، عطلة رسمية إلا قبل سنوات معدودة، وكنا قبلها لا نشعر به، إلا من خلال المانشيتات العريضة، للصحف الصادرة صبيحة اليوم الوطني. أي أن أدبيات الاحتفال بمناسبة اليوم الوطني كانت شبه مغيبة من ثقافتنا، ولذلك فليس بالمستغرب أن يقوم شبابنا في احتفاليات السنوات الماضية، بالتعبير عن فرحهم بالتفويض والإزعاج وإيذاء الآخرين، حتى أصبحت مناسبة هذا اليوم كابوسا بالنسبة لدورياتنا الأمنية المكلفة بتنسيق مسيرات ذلك اليوم وضبط أمنه. ففي العام المنصرم تم الحكم على بعض الشباب بالجلد، وجلدوا علانية بسبب ما اقترفوه من تفويض، وتخريب؛ حيث اختلط عندهم الاحتفال بـ"الاستهبال".
التخريب والتفويض من كائن من كان لا يبرر، مهما كانت الظروف والملابسات، ولكنه يدرس ويفهم وتستنتج منه العبر والفوائد، التي تبنى عليها خطط تحد إن لم نقل تمنع تكراره. ولكن هيجان القطيع ظاهرة عالمية، وهي التي أصابت وتصيب شبابنا كل عام في مناسباتنا الوطنية. حيث هم طيبون وخيرون كأفراد، ولكنهم عندما يجتمعون كزرافات وجماعات في مكان واحد، يتحركون بلا معنى أو مضمون، لا يدرون أين يذهبون، حيث قد أغلقت أمامهم جميع أماكن الفرجة والترفيه، وحتى التسوق، ثم تتم محاولة تفريقهم عن مكانهم الذي قد تجمعوا فيه، فيهيجون ويبدؤون بإحداث الضجيج، ثم التفويض والتخريب، الذي قد يصل للتكسير وتدمير الممتلكات العامة والخاصة والاعتداء على الأبرياء. وهنا كأنهم يقولون في لاوعيهم، نحن هنا، نحن موجودون، نحن نعيش معكم، فلماذا كل هذا الإقصاء لنا، حتى في مناسبات فرحكم الوطنية، التي من حقنا أن نحتفي بها، ونعبر من خلالها عن حبنا للوطن؟
إذاً فالحل بسيط وميسر، وهو فتح ساحات لهم ليحتفلوا بها، مثلهم مثل غيرهم بيومهم الوطني، بالطريقة التي تتناسب مع مزاجهم العمري. اقترح أستاذنا العزيز الكاتب محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، في مقالة له في صحيفة الجزيرة، تحت عنوان "اليوم الوطني والاحتفاء به" الاقتراح التالي، وهو أن "يتم استقدام أحد الأندية الأوروبية الكبيرة في كرة القدم، والزاخرة بالنجوم، وتتم إقامة مباراة ودية بين منتخبنا الوطني وهذا النادي؛ فكرة القدم تحظى في بلادنا ـ وبالذات من فئة الشباب ـ بمتابعة واهتمام منقطع النظير، ولدينا من التجهيزات، والخبرة التنظيمية لاحتضان مثل هذه الفعالية ما يجعل مثل هذه الاستضافة ممكنة، ومعبرة، وممتعة في الوقت نفسه، تواكب هذه المناسبة، وتصب في الوقت ذاته في تكريس الانتماء للوطن. كذلك فإن إقامة مثل هذه الفعالية ـ نظراً للاهتمام العالمي بكرة القدم ونجومها ـ سيجعل يومنا الوطني تمتد أصداؤه إلى خارج الوطن، ليحقق أهدافاً إعلامية أخرى، لا تحققها عادة المناسبات المحلية".
وما اقترحه أستاذنا محمد أعلاه، هو إبداع في إيجاد الحلول والبحث عن بدائل، ولكن اقتراحه هذا قد يحل مشكلة الشباب في الرياض فقط، وماذا عن باقي مدن المملكة؟ ولكن من الممكن الانطلاق باقتراح الزميل محمد، لتعميمه ليشمل جميع المدن الرئيسية في مناطقنا، وذلك بتكوين منتخب لكل منطقة، وكل منتخب يلعب كذلك مباريات ودية، سواء مع أندية عربية أو عالمية مشهورة، أو حتى منتخبات كذلك. أذكر أنني في شبابي قد حضرت مباراة في مدينة بريدة، بين منتخب القصيم والمكون من جميع أندية القصيم، والنادي الإسماعيلي المصري.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تبدأ احتفالية اليوم الوطني في كل استاد رياضي، من الساعة الرابعة حتى الساعة الحادية عشر مساء. وتحتوي على أكثر من فعالية، مع كون مباراة كرة القدم من فعالياتها الرئيسية، وذلك بتقديم العروض البهلوانية، والمشاهد المسرحية القصيرة، وكذلك فرق موسيقية تعزف مقاطع موسيقية بين كل فقرة وأخرى. مع استعراض بين فترة وأخرى لأهم منجزات المملكة الوطنية، منذ تأسيسها حتى اليوم، وذلك عن طريق فقرات تعرض بالصوت والصورة عبر شاشات الملاعب الكبيرة، وبأن تخلو مثل هذه الاحتفالية من الكلمات المطولة المملة للشباب، وكذلك عدم إلقاء قصائد من الوزن الثقيل، سواء الوطنية منها أم غيرها. أي استبعاد الأندية الثقافية والكتاب، والإعلاميين الرسميين، من مثل هذه الاحتفالية الشبابية وتسليم إدارتها لشباب، من جمعيات الثقافة والفنون. وحتى وصلات الشعر يجب أن يقدمها شعراء شباب، ممن لهم جماهيرية شبابية. وكذلك يجب أن تقدم في مثل هذه الاحتفاليات، فقرات من الكوميديا الشبابية المحلية لكل منطقة، التي يؤديها شباب من الذين أخذت تلمع أسماؤهم من خلال مقاطع اليوتيوب، حيث أصبحت لهم جماهيرية شبابية منقطعة النظير. كما أن فرق الإنشاد الشبابية يجب أن تشارك في مثل هذه الاحتفالية الوطنية الشبابية.
ويجب أن يكون الدخول لحضور الاحتفاليات الشبابية مجانيا، ولكن ينظم الدخول عبر تذاكر، لكل تذكرة رقم، يقيد فيه اسم حامل التذكرة أثناء الدخول، وذلك لإجراء قرعة سحب لفائزين على سيارات. ولتكن أكثر من مئة سيارة، تقدم هدية من وكالات السيارات لكل احتفالية وطنية، مقابل ما تشتريه الحكومة منها من آلاف السيارات التي تستلم عشرات الملايين سنوياً مقابل صيانتها المرتفعة التكلفة، وهذا ليس بكثير على الوطن. وكذلك شركات الاتصالات ووكالات الكمبيوترات والأجهزة التقنية الأخرى وغيرها من وكالات تجارية. أي توزع في نهاية كل احتفال مئات أو ألوف الجوائز على الشباب المشارك في الحضور في الاحتفالات الوطنية.
وتتم الاحتفاليات الوطنية الشبابية هذه تحت رعاية الرئاسة العامة لرعاية لشباب، وبمشاركة أمانات المناطق والغرف التجارية، ووزارة الثقافة والإعلام، تحت تنسيق وإشراف إمارات المناطق. ولهذا أرفع اقتراحي هذا، مع اقتراح أستاذنا العزيز محمد آل الشيخ، لصاحب السمو الملكي الأمير الشاب نواف بن فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب ليدرسه، ويوسع منه، فهو المسؤول الشاب، والأقرب لعقول الشباب وما يريدون منا، وليس هنالك رعاية للشباب أفضل من رعاية مشاركة احتفالهم باليوم الوطني.
 نقلا عن صحيفة "الوطن" السعودية