EN
  • تاريخ النشر: 02 نوفمبر, 2011

آخر موسوعي في القرن العشرين

   سمير فريد

سمير فريد

رحيل الكاتب الكبير أنيس منصور خسارة للثقافة المصرية والعربية فقد كان من علامات الأدب والفلسفة وله مكتبة ضخمة يجب أن يتم الحفاظ عليها

  • تاريخ النشر: 02 نوفمبر, 2011

آخر موسوعي في القرن العشرين

تألمت لوجودي خارج مصر وعدم تمكني من المشاركة في وداع أنيس منصور، لقد فقدت مصر في أكتوبر الفنان الممثل عمر الحريري والفنانة المغنية فايدة كامل، ودعك من السياسية نائبة البرلمان، وفنان الكاريكاتير المبدع حجازي والشاعر والمترجم الكبير يسري خميس، الذي عرفته عن قرب وشقيقه شوقي خميس، وكلاهما من نبلاء الأدب في مصر، كما فقدت مصر أنيس منصور، وهو آخر مفكر موسوعي مصري في القرن العشرين، ومن أواخرهم في كل العالم.

قل في الدنيا الآن ذلك النمط من الكتاب المفكرين الموسوعيين، أي الذين يتنقلون بسهولة بين الأدب والفلسفة، والفنون والسياسة، وأدب الرحلات والترجمة من عدة لغات، وبين الثقافة بأشمل وأصعب معانيها وبين الصحافة التي تخاطب الملايين من مختلف المستويات. لقد جعل أنيس منصور الفلسفة في متناول عموم القراء، وجعلهم يعرفون معني الفلسفة، وكان ليبراليًا في السياسة، وضد الديكتاتورية بكل أشكالها، ولا يؤمن بالحرب كوسيلة لحل المنازعات، وكان من المنطقي ـ وهذا موقفه ـ أن يكون عدوًا لمن يؤمنون بالحرب كوسيلة وحيدة، والديكتاتورية كنظام وحيد. والعلاقة بينه وبين الرئيس السادات كانت نتيجة إعجاب السادات بكتاباته وتعلمه منها، والمؤكد يقينًا أنه لم يستغل هذه العلاقة في طلب مال أو منصب، وكان يعتبر كونه كاتبًا أكبر من كل المناصب وأغلي من كل الأموال.

لم تربطني به صداقة ولا علاقة عمل، ولكني مدين له علي الصعيد الشخصي بمقال نشره في "الأخبار" عن أول كتاب أصدرته عام ١٩٦٦، وكانت كلماته تشجيعًا لي علي السير في الطريق الذي وضعته لنفسى. وأجيال عديدة في مصر تعلمت من أنيس منصور، الذي كان الأول علي قسم الفلسفة بامتياز، وتعلم علي يد عمالقة مثل عبد الرحمن بدوي وربما كان الوحيد الذي جمع بين سلالة العقاد وسلاسة طه حسين.

قال لي الصديق نور الدين صايل، الذي يرأس المركز القومي للسينما في المغرب، إنه مدين لي لأنني أهديته عند أولي زياراته للقاهرة منذ ثلاثين سنة كتاب أنيس منصور "في صالون العقادقال صايل إنه عرف من هذا الكتاب عن مصر والثقافة المصرية أكثر من أي كتاب آخر. والحوار بين طه حسين وأنيس منصور في برنامج ليلي رستم الشهير يبرز بوضوح كم كان عميد الأدب العربي يحب أنيس منصور وقد ورث أنيس عن العقاد أمرين عظيمين هما: الإيمان بالحرية، وعشق القراءة.

كان الراحل الكبير يقرأ كتابًا كل يوم، وأحيانًا كتابين وبخمس لغات مختلفة. ولاشك أن مكتبته ثروة قومية يجب أن تحفظ للأجيال القادمة. إنه، بتعبير كامل زهيري قارئ محترف وكاتب هاوٍ رحمهما الله بقدر ما قدما لبلادهما والإنسانية.

* نقلا عن المصري اليوم القاهرية