EN
  • تاريخ النشر: 10 أغسطس, 2009

تخضع لاختبارات عديدة قصة خوذة أنقذت حياة ماسا

ماسا بعد الحادث

ماسا بعد الحادث

لم يكن ينظر إلى الخوذة التي يعتمرها سائق سيارة فورميولا وان بالكثير من الاهتمام قبل الحادثة الأخيرة التي وقع ضحيتها البرازيلي فيليبي ماسا، سائق فيراري، خلال الفترة الثانية من التجارب الرسمية لجائزة المجر الكبرى.

لم يكن ينظر إلى الخوذة التي يعتمرها سائق سيارة فورميولا وان بالكثير من الاهتمام قبل الحادثة الأخيرة التي وقع ضحيتها البرازيلي فيليبي ماسا، سائق فيراري، خلال الفترة الثانية من التجارب الرسمية لجائزة المجر الكبرى.

صحيح أن الأنظار تسلط في العادة على الخوذة في مناسبات محدودة، منها على سبيل المثال لا الحصر: عندما يعتمد سائق ما نوعية معينة من الكسوة أو الألوان، أو عندما تطرح خوذة أحد السائقين الشهيرين للبيع في المزاد العلني.

غير أن "حادثة ماسا" أعادت وضع "القبعة الصلبة" إلى دائرة الضوء بعد أن لعبت دورا حاسما في إنقاذ البرازيلي من كارثة حقيقية، الأمر الذي برر الأهمية الكبرى التي يوليها القائمون على الرياضات الميكانيكية لسلامة السائقين.

وكان ماسا خضع لعملية جراحية طارئة الأحد قبل الماضي نتيجة ارتجاج في الدماغ ورضوض في الجمجمة إثر الحادث الخطير الذي تعرض له، فقد أصيب في وجهه إثر تطاير قطعة من سيارة مواطنه روبنز باريكيلو، سائق فريق براون جي بي - مرسيدس، ما أدى إلى فقدانه الوعي والسيطرة على سيارته التي انحرفت عن المسار وارتطمت بحائط الإطارات الموازي للمنعطف الرابع وهي تسير بسرعة 250 كلم/ساعة.

في الأيام الأولى للفورميولا وان، كانت السرعة هي العنصر الذي يستحوذ على القدر الأكبر من الاهتمام، وذلك على حساب عناصر السلامة.

وكان السائق الأرجنتيني الأسطوري خوان مانويل فانجيو، بطل العالم في خمس مناسبات، يفضل اعتمار الـ"بالاكلافاوهي عبارة عن قناع بسيط من الصوف يشبه إلى حد ما ذاك الذي يعتمده المتزلجون، ويسمح بظهور الوجه أو القسم الأعلى منه (الجبين والعينان والأنف) أو العينين فقط.

ولكن انطلاقا من عام 1953، أصبحت الخوذة إلزامية للسائقين كافة، غير أنها لم تكن تشبه بتاتا نظيراتها الحالية التي تعتبر نتاج سنوات من البحث والتطوير.

ويشترط الاتحاد الدولي للسيارات معايير محددة للسلامة، وهي تأتي في الغالب صارمة جدا، وخير مثال على ذلك أن عملية التطوير الأخيرة للخوذة "القانونية" (فيا 8860-2004) استلزمت ثماني سنوات من العمل الشاق.

وبعد دراسات معمقة أجريت في مختبر بحوث النقل البريطاني (تي ار الجرى اعتماد المعايير الجديدة من قبل الشركات الثلاث الوحيدة المخولة صناعة الخوذات الخاصة بسائقي فورمولا واحد، وهي "اراي" و"بيل" و"شوبيرت".

والجدير بالذكر أن الخوذات المصنعة لدى الشركات الثلاث إلزامية بالنسبة إلى السائقين، إذ إنهم غير مخولين اعتماد خوذة من إنتاج مصنع آخر في ضوء قرار صادر عن المجلس العالمي لرياضة السيارات عام 2004.

ورغم أن السرية تحيط بالمواد المستخدمة في عملية صناعة الخوذة، إلا أن الجزء الخارجي منها يعتمد مكونات صلبة ومن طبقتين، تستخدم فيها الألياف الصمغية المضغوطة والألياف الكربونية.

وفي القسم الداخلي منها، تتركز طبقة من مادة الاراميد التي تستخدم في عديد من السترات الواقية من الرصاص، يضاف إليها طبقة من البولي إثيلين، ومادة ناعمة وسائلة هي نفسها المعتمدة في زي السائق لمواجهة النيران، تضاف إليها كمية صغيرة من الألمونيوم والمجنيزيوم ومواد أخرى تصنع المزيج اللازم.

ويصل الوزن النموذجي لخوذة فورميولا وان إلى 1250 غراما، علما بأنه كلما خفّ الوزن، كان الضغط أقل على السائق، وهذا بدوره يحد من خطر الإصابة.

لكن "حادثة ماسا" في المجر أثبتت أن على الخوذة أن تكون قوية جدًّا حتى تتمكن من امتصاص الصدمات ومقاومة الاختراق.

لكن يبدو الجمع بين الخفة والقوة صعبا للغاية، ولا عجب في أن تأخذ الدراسات وعملية الإنتاج الجهد الكبير والوقت المديد تمهيدا لصياغة خوذة تلبي المعايير المفروضة من قبل الاتحاد الدولي.

وتتمثل العملية الأهم في إخضاع رأس كل سائق لمسح ضوئي يتم على أثره اعتماد قالب يجري على أساسه بناء الخوذة من الداخل باعتماد ألياف كربونية لضمان التطابق التام مع القالب.

ويتألف كل خيط من الألياف المعتمدة من حوالي 12 ألف شعيرة، الواحدة منها أرق 15 مرة من شعرة الإنسان.

ويبلغ طول الخيوط المستخدمة في عملية صناعة الخوذة الواحدة حوالي 16 ألف كيلو متر تعادل المسافة بين طوكيو ولندن.

بعد كل ذلك، يجري جمع الطبقات كافة في وعاء خاص؛ حيث تخضع لعملية ضغطٍ عالٍ ومستمر في ظل حرارة تصل إلى 132 درجة مئوية.

أما مقدمة الخوذة فيتم تعزيزها بمواد تكميلية، مثل الألمونيوم والتيتانيوم.

وبالإضافة إلى دورها الأساسي في حماية السائق، فإن على الخوذة أن تتيح له الرؤية والتنفس.

وتأتي التهوية من خلال فتحة صغيرة تقع في مقدمة الخوذة، وتقوم بتنقية الهواء من زيوت المحركات والكربون ومخلفات غبار الفرامل، قبل إيصاله إلى السائق.

واللافت أن حوالي 10 لترات من الهواء النقي تتدفق إلى داخل الخوذة في الثانية الواحدة.

أما الجزء الشفاف الذي يرى السائق من خلاله الطريق أمامه مصنوع من قطعة رفيعة (ثلاثة ملم) من مادة البوليكاربونات الخاصة، وهي قادرة على تأمين حماية الوجه من أي صدمة، كما أنها مقاومة للاشتعال، وتضمن رؤية ممتازة.

ويميل معظم السائقين نحو استخدام أقنعة ملونة مصبوغة بمادة ضد الضباب لتفادي التغشية.

وتخضع الخوذات لاختبارات قاسية تتميز بالدقة نفسها التي تخضع لها السيارات، كالاصطدام بأجسام مختلفة ومن الزوايا كافة بغية الوقوف على مدى قدرتها على المواجهة، علما بأن الاتحاد الدولي للسيارات يفرض على كل خوذة أن تصمد أمام قوة بسرعة 34.2 كلم/ساعة على الأقل.

كما تخضع الخوذات لمجموعة من امتحانات التشوه والتفتيت بهدف تقييمها، فضلا عن اختبار "هانز" الذي يحول دون إمكان ارتطام رأس السائق بالمقود.

وليست هذه نهاية القصة؛ إذ إن هناك أيضا تجربة إلزامية "نارية" يجري خلالها إخضاع الخوذة لألسنة اللهب حتى 800 درجة مؤوية لمدة 45 ثانية.

ولعبور الامتحان، لا يسمح أن تتجاوز الحرارة داخل الخوذة حاجز 70 درجة مئوية.

وتتميز مقدمة الخوذة بخصائص وقائية تفرض نفسها من خلال رميها بأجسام مختلفة بسرعة 500 كلم/ساعة، وهنا يمنع أن تصل أثار الاصطدام إلى عمق يتعدى 2.5 ملم.

وعلى غرار "نفق الرياح" الخاص بسيارات فورميولا وان، فإن للخوذات أيضًا نفق رياح خاص بها لضمان الحد الأدنى من قوة الجر خلال القيادة السريعة.

لا شك في أن صناعة خوذة فورميولا وان مضنية وباهظة الثمن، وبالنظر إلى كون ماسا سيعود إلى الحلبات قريبا، يبدو من الواضح والمنطقي أن تستحق تلك "القبعة الصلبة" كل هذا الجهد وكل ذاك الوقت وكل تلك الأموال.