EN
  • تاريخ النشر: 26 فبراير, 2012

هوامش على دفتر الكارثة

حسن المستكاوي

حسن المستكاوي

بعد هزيمة 67 كتب الشاعر المعروف نزار قباني قصيدة عنيفة بعنوان: هوامش على دفتر النكسة، نعى فيها جيله واللغة القديمة والكتب القديمة ونهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.. وقال نزار قباني منذ 45 عاما: "إذا خسرنا الحرب لا غرابة.. لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة.. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة.. بمنطق الطبلة والربابة"

  • تاريخ النشر: 26 فبراير, 2012

هوامش على دفتر الكارثة

(حسن المستكاوي) ●● بعد هزيمة 67 كتب الشاعر المعروف نزار قباني قصيدة عنيفة بعنوان: هوامش على دفتر النكسة، نعى فيها جيله واللغة القديمة والكتب القديمة ونهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.. وقال نزار قباني منذ 45 عاما: "إذا خسرنا الحرب لا غرابة.. لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة.. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة.. بمنطق الطبلة والربابة".

من النكسة ومن هوامشها تعلمنا الجدية والإعداد والتخطيط الجيد والعلمي، فكان الانتصار في أكتوبر 73.. ومن أسف أننا انتظرنا هزيمة كبيرة كي نتعلم أنه لا لعب في الحرب.. وهو أمر مؤسف أن ينتظر المجتمع نفسه كارثة كبيرة في ساحات كرة القدم كي يتعلم أنه لا حرب في اللعب، فتستيقظ الروح الرياضية لهذا المجتمع أو يتم إيقاظها بعد اغتيالها..؟

●● أولا: هي كارثة بجميع المقاييس، ففي ملاعب العالم سقط آلاف الضحايا منذ حادث جلاسجو عام 1902، حيث قتل 125 شخصا وأصيب 517 في انهيار مدرج باستاد اروكس بارك أثناء مباراة بين إنجلترا واسكتلندا وانتهت بالتعادل 1ــ1.. وكان التدافع والانهيارات وراء سقوط معظم ضحايا الملاعب، باستثناء أحداث قليلة سقط فيها ضحايا بسبب عنف متعمد فيها كل أركان الجريمة.. وكان ما حدث في مباراة المصري والأهلي كارثة حقيقية لأن الإيذاء فيها كان متعمدا ومخططا.

 ●● ثانيا: شرحت ما جرى كثيرا، وقلت إن الذين قاموا بالهجوم الأساسي الشامل هم هؤلاء المشجعون الذين كانوا يحتلون مدرجات الدرجة الثالثة المقابلة لمدرجات الأهلي من الجهة الأخرى البعيدة. هؤلاء قفزوا فور صفارة النهاية وجروا 150 مترا بسرعة شديدة للحاق بالجريمة.. وكان ذلك تدبيرا بالإيذاء.. إلا أن ما وقع من إيذاء فاق بكثير خيال كل من شارك في تدبيره؟

●● ثالثا: كان استاد بورسعيد موقعا ساخنا وملائما لهذا التدبير من واقع أحداث احتقان سابقة. وكان اختيار الأهلي هدفا للجريمة متعمدا ومقصودا، استنادا على خلفيات سابقة وتاريخية، ولأنه هدف ثمين، سوف يكون رد الفعل تجاه ما يجري لجماهيره وللاعبيه مدويا.. ما جري أيضا هو بالتأكيد عمل مخطط ومنظم، وكان محسوبا أن اللقاء سينتهي بفوز الأهلي فيبدو الاقتحام والشر والقتل مبررا إلا أن الجريمة المدبرة التي عجز مدبروها عن التراجع عنها كشفها فوز المصري؟

●● رابعا: ما جرى في استاد بورسعيد هو نتيجة تحريض مارسه بعض الإعلام عن جهل بقواعد المهنة، أو بحثا عن نسبة مشاهدة، أو بادّعاء الشجاعة وهي حماقة، وهناك الآن ظاهرة تعميم الاتهام على الإعلام، مع أن لكل إعلامي كتابه الذي يشهد له أو عليه، سواء رأيه الذي يدلي به أو نصوصه التي كتبها أو كلماته التي استخدمها، فهل كان سببا في زيادة الاحتقان بين الجماهير؟ هل كان محرضا؟ هل كانت لغته مهنية ونظيفة؟ هل كان ناقدا مستخدما لغة فنية في النقد أم سبّابا شتّاما مؤذيا؟

في جميع الأحوال يشهد على الإعلام حلقات لا تحصى على يوتيوب فهي بمثابة كتاب يبرئ أو يدين، ومن أسف أيضا أن الصخب شديد، والاتهامات متناثرة ومتبادلة، والمتهمون يتهمون، والضحايا يدافعون، والأمر فوضي مكررة على الرغم من المصيبة.. وكثير من المحرضين يمارسون الآن حلقات وعظ أخلاقية عن الروح الرياضية، وهم من نقلوا الاحتقان وأشاعوه ونقلوه من شاشات وصفحات الإعلام القديم إلى سطور ومواقع الإعلام الجديد الذي تعبث فيه شياطين تنشر الغضب والكراهية بين الشعب الواحد وبين الشعوب أيضا.

●● خامسا: حذرت من الكارثة كثيرا، ودعوت إلى تطبيق القانون بقوة وحسم كثيرا، فعلت ذلك في كل حوادث العنف والاعتداء المتبادل بين المشجعين لم أنتظر الكارثة كي أدعو للأخلاق والروح الرياضية، ولم أسكت في أي لحظة وقع فيها تجاوز في الأخلاق، أو خروج على القانون، وتحدثت كثيرا عن كرة النار التي يركلها البعض ويلعب بها البعض، وكنت وما زلت أعرف حدودي المهنية.. وبضربة إصبع يمكن مراجعة عشرات المقالات منذ سنوات، قبل الكارثة، وقبل الثورة، فلم أنتظر أيضا ثورة كي أدعو إلى القيم والأخلاق الرياضية؟

●● سادسا: في الحالات الطارئة، وفي الأحداث الطارئة، وفي المصائب الطارئة، تخرج القرارات الطارئة.. وهي الآن عند أصحاب القرار.. وكرة القدم ليست لغوا ولا لهوا في حياة الشعوب وهي صناعة اقتصادية، كما أنها نشاط إنساني جميل يزرع القيم والأخلاق في النفوس، ولذلك اجتمع رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون مع عدد من الشخصيات السياسية والرياضية البارزة لبحث ظاهرة العنصرية في الملاعب الإنجليزية، ومنح كاميرون مهلة شهرين لاتحاد الكرة لإعداد خطة لمكافحة العنصرية، وأعرب كاميرون عن مخاوفه من أن تؤثر سلوكيات التمييز لدي كبار نجوم اللعبة على الصغار، موضحا أنه اعتاد اصطحاب طفله إلى مباريات في كرة القدم وانه اكتشف "كيف يمكن للسلوك السيئ من جانب البعض التأثير بشكل سلبي على الأطفال وبقية المشاهدين".

هكذا يفكرون، ولا يبرر حالة الصمت أن نتجاهل الأخذ بتجارب الآخرين بحجة أنهم منظمون ومستقرون، ونحن لم نعرف الاستقرار بعد.. والواقع أننا لن نعرفه لفترة قد تطول، فما هو قادم في ساحات كرة القدم وما أتوقعه من ردود الأفعال لقرارات صعبة متأخرة يشير إلى أن الأيام الأصعب لم تأت بعد.. لكن هكذا كان الإصلاح في التاريخ، له ثمن باهظ، وتكلفة عالية كي يتغير المجتمع بعد 30 عاما من عدم احترامه للقانون، واختراقه للقانون، إلى الخوف من القانون ثم امتثاله إلى القانون؟

●● أرجو أن تكون تلك هي المرة الأخيرة التي أتناول فيها كارثة مباراة المصري والأهلي، أرجو أيضا أن يضع المجتمع النقاط فوق الحروف، وأن يتذكر هذا المجتمع بكل أطيافه أن الإصلاح لا يكون بالخطابة، ولا ببرقيات العزاء، وأن يحاسب بحسم وبقوة كل محرض وكل ضارب للقيم الرياضية والنظام العام وكل عازف بالطبلة والربابة؟

نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية اليوم الأحد الموافق 26 فبراير/شباط 2012.