EN
  • تاريخ النشر: 29 سبتمبر, 2011

كلام حمدون

في مصر أكاد أجزم أننا لا نملك إحصائيات دقيقة عن حجم الإنفاق المالي على كرة القدم، لكن موازنة الدولة الرسمية للرياضة 82 مليون جنيه قابلة للتقليص في ظل ثورة 25 يناير وانخفاض موارد الدولة وزيادة مصروفاتها، لكن الأهلي والزمالك فقط أنفقا 56 مليون جنيه خلال الأسابيع الماضية لتمويل عقود لاعبين جدد،

( علاء إسماعيل) الدراسة التي تنشر حاليا على الصفحات الرياضية لـ"البيان" حول طغيان مصروفات كرة القدم الإماراتية ووصولها إلى أرقام فلكية لم استوعبها أو أصدقها في بادئ الأمر، تدفعنا للمقارنة مع نفس المشكلة في كرة القدم المصرية والتي تعاني الأمرين من تسابق ناديين فقط هما الأهلي والزمالك من أجل شراء لاعبين في مشاهد تعكس القدرة الفائقة على إهدار المال العام بما يخالف القوانين الحامية للنظام العام.
 
والدراسة تقتضي الإشادة بجهد زميلنا المجتهد علي شدهان لأنها كشفت عن حقيقة مفزعة، أن الدعم الرسمي من الدولة للرياضة يبلغ 180 مليون درهم يذهب 60 مليون منها إلى كرة القدم أي بواقع 46% بينما الإنجازات العائدة لم تصل 1% من حجم إنجازات الرياضة الإماراتية بوجه عام، والخطير في الدراسة أنها لا تضع يدها على الموارد غير المنظورة التي تدخل خزائن اتحاد الكرة والأندية من بيع اللاعبين والتسويق والرعاية وكلها غير معروفة القيمة رغم ضخامتها.
 
وقبل أيام سمعت الكابتن حمدون قائد منتخب الإمارات خلال السبعينات والثمانينات في برنامج "جيم أوفر" وهالني قوله إن الاحتراف يكاد يقضي على كرة القدم، ووفقا لوجهة نظره التقليدية لم يعد هناك ولاء أو انتماء أو حرص على المصلحة العامة، مستشهدا بالجماهير التي باتت أغلبيتها وليست كلها مستأجرة أي تشجع مقابل أجر ولم يعد الأمر يقتصر على توفير المواصلات والوجبات كما كان يحدث قبل 40 عاما في عهد الفطرة والإخلاص للأندية وألوانها.
 
وحمدون كما أعرفه جيدا ينتمي إلى طائفة الرياضيين الذين حملوا مسؤولية تأسيس اللعبة في ملاعب رملية وفنادق غير مكيفة ومارسوها باستمتاع دون طمع أو جشع، ثم انتقل إلى الإدارة مع جيل من أصحاب الفكر التقليدي المتشدد لحماية كرة القدم من الدخلاء، ودافعوا باستماتة عن اللاعب المواطن وقاوموا الاتجاه المضاد المنادي بعودة اللاعب الأجنبي.
 
وفي هذا المناخ حقق المنتخب المركز الثاني ببطولة الخليج مرتين، ثم تأهل إلى كأس العالم، إلى أن وقعت الواقعة وصدر قرار عودة اللاعب الأجنبي في ليلة من صيف عام 1997، لتنقلب موازين اللعبة، وتتغير الأنظمة لإبرام صفقات بلا حدود ولا حساب، وتتحول الأندية إلى شركات وهمية تعتمد على الدعم الحكومي، لنصل إلى ما تتحدث عنه دراسة الشدهان المزعجة.
 
في مصر أكاد أجزم أننا لا نملك إحصائيات دقيقة عن حجم الإنفاق المالي على كرة القدم، لكن موازنة الدولة الرسمية للرياضة 82 مليون جنيه قابلة للتقليص في ظل ثورة 25 يناير وانخفاض موارد الدولة وزيادة مصروفاتها، لكن الأهلي والزمالك فقط أنفقا 56 مليون جنيه خلال الأسابيع الماضية لتمويل عقود لاعبين جدد، نصيب الأهلي منها 39 مليونا، ولا توجد معلومات شفافة حول موارد الناديين، لكنهما يعانيان بوضوح خاصة الزمالك، ولم نتحدث عن أندية أخرى كالإسماعيلي تعيش يوميا خطر الإفلاس، لذلك تحولت الأندية إلى مجال خصب لرجال الأعمال الذين يهمهم الدعاية لمشروعاتهم قبل نجاح أنديتهم.
 
نعود إلى كلام حمدون وأتذكر منطق قاسم سلطان، الذي تميز بأسلوب مختلف في قيادة النادي الأهلي يعتمد على أداء رسالة اجتماعية وثقافية ورياضية للشباب قبل تحقيق الربح، وأتذكر أحمد الفردان الذي أدار اتحاد الكرة في أيام التألق وحرصه الشديد على المال العام، وقيادات أخرى كثيرة ساهمت بأدوار لا تنسى في تأسيس رياضة الإمارات وتسليم العهدة إلى أجيال جديدة ذات فكر مختلف تماما تؤمن بأن الأندية مؤسسات تسعى للربح قبل أي اعتبار آخر، وهو نفس الاتجاه الذي ينتشر في الرياضة المصرية تدريجيا، تمهيدا لتطبيق دوري المحترفين عام 2013.
 
كلام حمدون أعادني لأيام الصراع بين تيارين من السياسات الرياضية وكل منهما يسعى للتقدم وفي النهاية تأتي دراسة الشدهان لتجعلني أتذكر بالخير سنوات الثمانينات، ويعطيكم العافية.
 
نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية يوم الخميس الموافق 29 سبتمبر/أيلول 2011