EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2011

صرح هوى

بدر الدين الإدريسي

بدر الدين الإدريسي

كنت من بين الملايين الذين أعادوا مشاهدة اللقطة العجائبية، وكان رأيي من أول وهلة أن لاعباً في سن ذياب عوانة، وتكون له الجرأة لينفذ ضربة جزاء أيا كانت درجة حساسيتها بتلك الطريقة التي لم يسبقه إليها كبار نجوم العالم، حتى أولئك الذين نضعهم في عداد الخوارق، هو بالتأكيد لاعب غير عادي

(بدر الدين الإدريسي) لم يكن الجرح قد طاب ولا كانت العين قد كفت عن البكاء ولا كان القلب قد التأم جرحه بالإمارات وعند كل من يعشق صناع الإبداع من أي جنسية كانوا بعد الرحيل المفاجئ والمحزن لللاعب الإماراتي ذياب عوانة، وهو في ربيع العمر وفي ذروة الحلم، حتى كان المغاربة يفيقون ذات يوم اثنين على فاجعة فقدان كرة القدم المغربية وشعب الرجاء للاعبهم الوديع زكرياء الزروالي.

قضى غصن البان الإماراتي ذياب عوانة في حادث مروري مروع، بينما قضى شهم الرجاء وفارسها الألمعي، وقد هزمه نزيف داخلي حاد نجم عن تسمم دوائي، فأسلم الروح لبارئها، وترك وراءه لوعة الفراق تفتك بالقلوب.

فاجأني ذات يوم وأنا أتجول بين المواقع الإلكترونية خبر تصدر من كان يهتم بكرة القدم تحديداً، ومن اختار الطابع الشمولي في تعاطيه مع الأحداث، كان الخبر عبارة عن لقطة صورت ذياب عوانة الدولي الإماراتي الصغير، وهو ينفذ واحدة من أغرب ضربات الجزاء في تاريخ كرة القدم العالمية خلال مباراة الإمارات والأردن.

وكنت من بين الملايين الذين أعادوا مشاهدة اللقطة العجائبية، وكان رأيي من أول وهلة أن لاعباً في سن ذياب عوانة، وتكون له الجرأة لينفذ ضربة جزاء أيا كانت درجة حساسيتها بتلك الطريقة التي لم يسبقه إليها كبار نجوم العالم، حتى أولئك الذين نضعهم في عداد الخوارق، هو بالتأكيد لاعب غير عادي، فمن تكون له تلك الثقة في النفس، ومن تكون له تلك الجسارة في بناء الموقف، ومن تكون له الشجاعة ليأخذ قراراً بتلك الحمولة في أجزاء الثانية هو بالتأكيد لاعب مبدع. لذلك غار الجرح وعظم المصاب واشتد الحزن على أن الكرة الإماراتية والكرة العربية والإنسانية فقدت نيزكاً جميلًا كان يبشر بالصباحات الأسطورية ويرسم في الأفق ذاك الجمال الذي أودعه الخالق في عباده.

الحزن على رحيل زهرة الأمل والإبداع التي طلعت في مدائن الحلم، هو ذاته الحزن الذي استبد بنا نحن المغاربة على الرحيل الفجائي لزكرياء الزروالي

والحزن على رحيل زهرة الأمل والإبداع التي طلعت في مدائن الحلم، هو ذاته الحزن الذي استبد بنا نحن المغاربة على الرحيل الفجائي لزكرياء الزروالي، فقد كان نسراً أخضر يحلق في المراتع، وذات يوم لم يحلق ذاك النسر كعادته، لقد طوى جناحيه، أسقط رأسه وتكوم جسداً بلا حياة ليترك حرقة كبيرة بين زملائه لاعبي نادي الرجاء الذين عاشروه وخبروه وأحبوا رجولته وإنسانيته وعفويته.

فزكرياء الزروالي الذي اختاره الله إلى جواره تنفيذاً لقضاء رباني لا يرد سكن القلوب يطبع إنساني فريد وبمسحة كبرياء لا تقبل لا التزلف ولا الانحناء وبمزايا كروية ورياضية جعلت منه لاعباً فذاً، خلوقاً ومستميتاً في الدفاع عن قميص رجائه الذي أسكنه على الدوام في سويداء القلب.

ما بين الراحلين زكرياء الزروالي وذياب عوانة مسافة عمر لا تحسب في العادة بالسنوات، فهما معاً صرح أمل تهاوى في لحظة عز فيها الفقد فلله ما أعطى وما أخذ.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية يوم الخميس الموافق 6 أكتوبر/تشرين الأول 2011