EN
  • تاريخ النشر: 06 فبراير, 2012

شهداء للبيع أو الإيجار

ياسر أيوب

ياسر أيوب

مثل أي مواطن مصري عادي وطبيعي.. وبحكم الدين وتعاليمه ووصاياه وعادات المجتمع وتقاليده الإنسانية والأخلاقية.. تعلمت احترام جلال مشهد الموت.. وأن الموت يعنى نهاية أى خلاف أو خصومة وعداء.. تعلمت ألا أتمنى الموت وأشتهيه لأى أحد مهما كان وألا أتاجر بموت أى أحد، بحثاً عن أى مطامع أو مكاسب خاصة

  • تاريخ النشر: 06 فبراير, 2012

شهداء للبيع أو الإيجار

(ياسر أيوب ) مثل أي مواطن مصري عادي وطبيعي.. وبحكم الدين وتعاليمه ووصاياه وعادات المجتمع وتقاليده الإنسانية والأخلاقية.. تعلمت احترام جلال مشهد الموت.. وأن الموت يعنى نهاية أى خلاف أو خصومة وعداء.. تعلمت ألا أتمنى الموت وأشتهيه لأى أحد مهما كان وألا أتاجر بموت أى أحد، بحثاً عن أى مطامع أو مكاسب خاصة أو استعراضاً لحزن مزور ومصطنع أو استكثاراً لحزن الناس على أحد مات.

لكن يبدو أن هناك فى مجتمعنا من لم يتعلم ذلك أو لم يعد مقتنعاً بأى من ذلك.. وأصبح هؤلاء يتعاملون مع الموت كأنه حدث سهل وعادى يمكن استغلاله لقضاء أى مصالح ومبرر لارتداء أى أقنعة أو محاولة إثارة اهتمام الناس وإعجابهم وتصفيقهم..

وفى يوم الأربعاء الماضى.. مات فى استاد بورسعيد أربعة وسبعون شاباً وصبياً كانوا أعضاء فى ألتراس الأهلى.. سافروا مع ناديهم الذى لعب فى ذلك الاستاد مباراة لكرة القدم أمام النادى المصرى.. وفوجىء هؤلاء الشباب ببعض جماهير المصرى بعد انتهاء المباراة تطاردهم وتحاصرهم وترعبهم وتقتلهم دون ضمير أو رحمة أو شفقة.. ألقوا بهم من أعلى مدرجات الاستاد على الأسفلت لتنثر دماؤهم وأجسادهم.

أدخلوا أسياخ الحديد فى بطونهم وظهورهم.. خنقوهم وأزهقوا أرواحهم رعباً وألماً دون أى تفسير أو سبب لكل هذه الكراهية والعنف وعشق الدم والشيطان.. واحتسبت مثل ملايين غيرى هؤلاء الشباب والصبيان شهداء لقوا ربهم.. احتسبناهم شهداء وبقينا نطالب بالقصاص لهم من قاتليهم، لأن ديننا يأمرنا بأنه فى هذا القصاص حياتنا.

لكننا فوجئنا بكثيرين يحاولون المتاجرة بهؤلاء الشهداء.. يبيعونهم أو يستأجرونهم مؤقتاً حسب أهوائهم ومطامعهم.. فكان هناك من يقفون أمام وزارة الداخلية يحاولون اقتحامها ويقولون إنهم ألتراس الأهلى يريدون حرق الوزارة، انتقاماً لشهدائهم فى بورسعيد.. وحين يخرج القادة الحقيقيون للألتراس وينفون ذلك تماماً، لأنهم كانوا مشغولين بدفن شهدائهم وتلقى العزاء فى السرادق الذى أقاموه أمام باب النادى الأهلى.

نجد هؤلاء الذين كانوا يتحدثون عن ثأر الشهداء وقد تغيرت نبرتهم ومفرداتهم ونسوا الشهداء والثأر، وبدأوا يتساءلون: لماذا لا تسمح لهم وزارة الداخلية بالدخول ولو لمجرد إثبات الذات والكتابة على جدران الوزارة من داخلها.. ويفاجئنا أحد شيوخ التليفزيون بحديث ساخر عن هؤلاء الشهداء ويظهر على الشاشة مبتسماً متسائلاً: ماذا سيقول هؤلاء الشباب لله لحظة لقائه؟!.. هل سيقولون له إنهم كانوا فى مباراة كرة؟!.. ويواصل الشيخ تهكمه الفج والقبيح على هؤلاء الشباب قائلاً.. وماذا يعمل هؤلاء الشباب ومن أين يأتون بالمال الذى ينفقونه للذهاب إلى ملاعب الكرة؟!

ومن الواضح أن هذا الشيخ فاته أن الدين يمنعنا من السخرية من الموت والموتى.. وأنه لا أحد منا على الإطلاق يستطيع أن يعرف كيف سيلاقى هؤلاء الشباب ربهم.. وأن هذا اللقاء ليس مجالاً لأى سخرية أو استعراض.. ويخرج علينا إعلامى لا تنقصه الفجاجة والقبح ويتميز بالغباء والجهل.

يؤكد أن هؤلاء الشباب هم الذين قتلوا أنفسهم وهم وحدهم المسؤولون عن موتهم.. هكذا مرة واحدة.. ولا يقدم لنا هذا الإعلامى أى تفسير لهذا الهراء الذى يقوله على شاشته، بحثاً عن أى اهتمام أو أضواء.. ثم يأتى ضباط وعلماء سياسة وهواة أحاديث وتحاليل ونشاطات تليفزيونية، ليؤكدوا على الهواء أن ألتراس الأهلى هم الذين قتلوا أنفسهم.

ويبدأ آخرون فى استغلال هؤلاء الشهداء لأى حسابات خاصة سواء كانت ضد المجلس العسكرى أو الداخلية.. وأخيراً يخرج علينا أحد آخر، جازماً بأن أعضاء ألتراس الأهلى الذين نجوا من الموت فى بورسعيد تم استئصال أعضائهم التناسلية.. وأنت لا تعرف ولا تفهم هذا السلوك الإنسانى والإعلامى فاقد الحس والضمير الذى يحيل مشهد الموت والدم والحزن إلى مجرد شهوة للانتقام والتجريح.. أو قدرة هائلة على الكذب والادعاء وتلفيق القصص والروايات.. ولم أعد أعرف لماذا هذه الحملة القاسية ضد ألتراس الأهلى الذين لم يطلبوا شيئاً إلا القصاص لمن مات منهم وحقوقهم التى ضاعت فى بورسعيد.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" الاثنين الموافق 6 فبراير/شباط 2012.