EN
  • تاريخ النشر: 18 ديسمبر, 2011

الممثلون وجمهور الكرة

ياسر أيوب

ياسر أيوب

أحيانًا يبدو الكلام عن كرة القدم أمرًا بالغ الصعوبة والصفاقة؛ فالناس والبيوت والشوارع والمكاتب والميادين مسكونة بمخاوف حقيقية ومواجع وأحزان غير عادية. وهناك أوقات لا تسمح ولا تقبل لعب كرة القدم، ولا الفرجة عليها والانشغال بها، أو حتى ترديد حكاياتها التي لم تعد تتغير تفاصيلها ووجوهها

(ياسر أيوب) أحيانًا يبدو الكلام عن كرة القدم أمرًا بالغ الصعوبة والصفاقة؛ فالناس والبيوت والشوارع والمكاتب والميادين مسكونة بمخاوف حقيقية ومواجع وأحزان غير عادية. وهناك أوقات لا تسمح ولا تقبل لعب كرة القدم، ولا الفرجة عليها والانشغال بها، أو حتى ترديد حكاياتها التي لم تعد تتغير تفاصيلها ووجوهها.. خلافات واتهامات متبادلة فى اتحاد الكرة، وتهديدات صارخة لا تسفر بتاتًا عن شيء: الأهلى يفتش عن لاعبين جدد، وينفي ذلك مسؤولو النادي، ويبقى آخرون يؤكدون. الزمالك وأزماته المالية، ولاعبون يهربون، وحسن شحاتة يفكر في الابتعاد.

  لا شيء يتغير هنا أو هناك، وكأننا في مسرح ضخم يأتي الجمهور إليه كل مساء، ويشتري التذاكر، ويخدع نفسه، متخيلاً أنه سيشاهد عرضًا جديدًا ينسيه همومه وأحزانه ومخاوفه، لكنه سيشاهد العرض الذي يُقدَّم كل ليلة نفه. والممثلون يأتون حسب مواعيدهم؛ يرتدون ملابسهم نفسها، ويكررون أدوارهم وكلامهم نفسه. وينصرف الجميع آخر الليل إلى بيوتهم، وكل واحد منهم يشعر بالمرارة؛ فأسوأ المشاعر وأقساها أن تتخيل نفسك تقول كلامًا مهمًّا وجديدًا، وأنت واثق في داخلك بأنك تردد الكلام القديم والبليد نفسه، أو تضطر إلى التظاهر بأنك مهتم ومنشغل ومتابع، لكنك في الحقيقة فقدت الإحساس والاهتمام بكل ما يقال أو يدور حولك أو أمامك.

  وربما كان الحدث الوحيد الجديد وسط كل ما جرى ولايزال في شارع قصر العينى هو مباراة كرة القدم التي أقيمت في الشارع ولعبها المتظاهرون المعتصمون في الشارع والرافضون كمال الجنزوري رئيسًا للحكومة.. وهي المباراة التي قيل إنها كانت شرارة النار التي أشعلت الصدام في الشارع وعلى الشاشات والكلام والكتابات والتعليقات. ولست أناقش تفاصيل وحكايات وخبايا هذا الصدام، واختلاف ردود الأفعال، وتباين المواقف بين مؤيد أو رافض لهؤلاء الذين في الشارع، أو هؤلاء الذين فوق أسطح مبان حكومية ورسمية ليست مفتوحة الأبواب أمام مواطنين عاديين.

  بل أناقش تلك المباراة التي أقيمت أمام مقر مجلس الوزراء؛ فالثائرون لا يلعبون الكرة. وأصحاب مطالب المستقبل والحرية والعدل والأحلام لا يستريحون مؤقتًا من مطالبهم ووقفاتهم ليستمتعوا بكرة القدم.. هذا لا يحدث إلا في معسكرات اللاجئين الذين استسلموا وتعايشوا مع عذابات الاغتراب عن بيت ووطن أو في ساحات السجون.

  فهل هذا هو حال المعتصمين في قصر العيني؟ وهل تحول أي شارع أو ميدان الآن من ساحة للثورة والغضب إلى منفى داخل الوطن أو ملجأ للهاربين من حقيقتهم وواقعهم؟

  في بداية الثورة، حاولت الكرة الحضور، ولو على استحياء، ممثلة في نجوم قلائل أرادوا أن تطال الثورة مؤسسة الكرة المصرية، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن، للأسف الشديد؛ فقد تقلصت يومًا بعد يوم الأحلام الكروية لثورة يناير، لتصير مجرد مطالب بإبعاد أسماء بعينها عن إدارة شؤون اتحاد الكرة أو مواصلة حلقات مسلسل الانتقام الكروي من وزارة الداخلية وضباطها، وربما من أية سلطة أيًّا كان موقعها أو شكلها ودورها.

  الحلم الأول صار حلمًا ساذجًا؛ لأن المشكلة لم تكن قط أشخاصًا يجب تغييرهم، بل المشكلة نظام قديم وفاسد ومترهل. أما حلم الانتقام فقد صار كابوسًا ثقيلاً ومفزعًا.

----------

نقلاً عن صحيفة "المصري اليومالأحد 18 ديسمبر/كانون الثاني 2011.