EN
  • تاريخ النشر: 08 ديسمبر, 2011

الكأس في فاس

بدر الدين الإدريسي

بدر الدين الإدريسي

فاس التي تتوسط المغرب مثل الثريا، هي أيضا مدينة الإبداع في أروع تجلياته، فمن زواياها تخرج الفقهاء، ومن جوامعها الفكرية تخرج مفكرون ومبدعون، ومن أزقتها وحواريها أطل على كرة القدم المغربية والعربية نجوم كثر سطعوا بألف ضوء في سماء الإبداع.

(بدر الدين الإدريسي) تعرف فاس عند المغاربة على أنها مجمع العلماء وموطن الروحيات، وعند الأثريين والنحات على أنها من حصون التاريخ المنيعة، ففي المدينة صدى من صوت الحضارات القديمة، بل إن المنظمات الإنسانية الشغوفة بحفظ الأثر الذي يحيل على أزمنة غابرة تضع مدينة فاس التي طوت قبل فترة قرنها الثاني عشر في عداد التراث الإنساني.

فاس التي تتوسط المغرب مثل الثريا، هي أيضا مدينة الإبداع في أروع تجلياته، فمن زواياها تخرج الفقهاء، ومن جوامعها الفكرية تخرج مفكرون ومبدعون، ومن أزقتها وحواريها أطل على كرة القدم المغربية والعربية نجوم كثر سطعوا بألف ضوء في سماء الإبداع.

ومع أن لفاس كل هذا العمر الطويل وكل هذه الأصوات التي صدحت في معاقل الفكر والأدب والسياسة إلا أنها لم تعش مثل الذي عاشته ليلة الأحد الماضي وناديها الأم المغرب الرياضي الفاسي يحقق إنجازا كرويا غير مسبوق بفوزه لأول مرة في تاريخه الطويل بكأس الاتحاد الإفريقي.

كان المدخل للاحتفال بيوم سيظل بلا شك خالدا في ذاكرة مدينة هي ذاتها ذاكرة الفن والكرة والخلق، تلك اللوحة الكاليغرافية الجميلة التي رسمتها جماهير فاقت الأربعين ألف متفرج، فأبدا لم يعرف ملعب فاس الجديد الذي أنشأ قبل عشر سنوات تدفقا للجماهير بمثل ذاك الكم وبمثل ذاك الحماس وبمثل ذاك التصميم على هندسة سيمفونية رياضية كبيرة.

الحظ والصدف وكل الخيال لعب قاد المغرب الفاسي نحو اللقب الإفريقي الذي أخرج أهل المدينة من ثغورهم الجميلة ومعابدهم الروحية ومراتعهم الفكرية ليقضوا ليلة بيضاء أشرقت بالفرح وتلألأت بالأنجم وسطعت بشمس الأمل

كانت اللوحة عربون وفاء من جماهير شغوفة لناد متعطش للألقاب، لذلك كان كل الذي شاهدناه يعبر مثل الطيف من صور فنية وكروية يرمز إلى أننا بصدد مطالعة جنس جديد في فن الملاحم، إذ رغم ما كان عليه النادي الإفريقي التونسي من إصرار وحزم وعزيمة لإعطاء تونس نورسا ثانيا هدية لثورة الياسمين، بعد الأول الذي قدمه بيد الترجي الرياضي، إلا أن النمور الصفر -وهذا هو لقب لاعبي المغرب الفاسي- استلهموا من تراثية فاس ومن عبقها التاريخي ومن سحرها الكوني ما قدمهم خلال المباراة بصورة أنطولوجية، فكان الحظ والصدف وكل الخيال معهم، بل قادهم نحو اللقب الإفريقي الذي أخرج أهل المدينة من ثغورهم الجميلة ومعابدهم الروحية ومراتعهم الفكرية ليقضوا ليلة بيضاء أشرقت بالفرح وتلألأت بالأنجم وسطعت بشمس الأمل.

غنت فاس بكل أريحية للعيد الكروي، وقال ما كانت عليه المدينة الملتزمة من بهجة بأن للرياضة ولكرة القدم تحديدا فعل المغناطيس الذي يجذب نحو الاحتفال دون مقدمات، فهل فهم الساسة ورجال المال أن لحظة فرح تهديها كرة القدم للناس لا تقدر بثمن؟

هل فهم من بيدهم مقاليد الأمور أن ما يعطوه من دعم مادي، لوجستيكي ومعنوي لا يساوي كل أجواء العيد التي يعممها الفوز بلقب رياضي على سكان مدينة وعلى شعب بكامله؟

أرجو أن يكونوا قد فهموا الدرس.

 نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية اليوم الخميس الموافق 8 ديسمبر/كانون الأول 2011.