EN
  • تاريخ النشر: 20 فبراير, 2012

الذي نتعلمه من البنات

ياسر أيوب

ياسر أيوب

منذ يومين، لعب منتخب قطر الكروي النسائي في الدوحة ضد منتخب أفغانستان، ففازت أفغانستان بهدفين أحرزتهما ماربون وصابيرا.

  • تاريخ النشر: 20 فبراير, 2012

الذي نتعلمه من البنات

(ياسر أيوب ) منذ يومين، لعب منتخب قطر الكروي النسائي في الدوحة ضد منتخب أفغانستان، ففازت أفغانستان بهدفين أحرزتهما ماربون وصابيرا.

ورغم أنه مجرد خبر رياضي من تلك التي تمتلئ بها أوراقنا وعقولنا وذاكرتنا طول الوقت؛ فإنني توقفت كثيرًا وطويلاً أمام هذا الخبر بالتحديد؛ فأنا أحد الذين سمحت لهم ظروفهم وحظوظهم بالاقتراب كثيرًا وجدًّا من واقع الرياضة في أفغانستان.

صحيح أنني اقتربت من ذلك العالم الغامض الحافل بالحواديت الجميلة والأسرار والأحلام من نافذة الجودو؛ فقد كنت المستشار الإعلامي للاتحادين الأوروبي والدولي لهذه اللعبة الجميلة، وتابعت وشاركت بطلة أوروبا «برجيت رايتينجن» في محاولاتها وحروبها لإقناع فتيات كابول بممارسة الجودو لمجرد ممارسة حق اللعب وحق الاختيار والأحلام وممارسة الحياة، إلا أن الحكاية الأهم في كل الرياضة الأفغانية تبقى حكاية البنات وكرة القدم، وبالتحديد بنت واحدة اسمها «أويستا أيوب»؛ هي التي بدأت تتحدى قسوة جماعة طالبان وتحريمهم كرة القدم وحرمانهم كل أفغانية من أي حق وأي حلم.

قررت «أويستا» أن تلعب الكرة.. قررت أن تحارب من أجل تكوين أول فريق نسائي لكرة القدم في أفغانستان.

وبالفعل، نجحت «أويستا» في ذلك، وأسَّست أول فريق أفغاني للكرة النسائية، ثم أول منتخب عام 2006 بعدما صار من حق الفتاة الأفغانية أن تلعب الكرة وهي التي كانت ممنوعةً أصلاً حتى من الذهاب إلى المدرسة.

وكتبت «أويستا» كل تفاصيل الحكاية والحروب والضغوط والأحلام والتهديدات في كتاب جميل اسمه «نادي الكرة النسائية».. كتاب قرأه الكثيرون، وكان يومًا من أكثر الكتب مبيعًا في العالم.

ولم تكن تفاصيل كرة القدم وأسماء لاعباتها ونتائج مبارياتها الأولى هي أمتع وأجمل ما في الكتاب، بل تأكيد ما تستطيعه وتقدر عليه كرة القدم في أي مجتمع، وكيف يمكن أن تتحول الكرة من مجرد لعبة إلى وسيلة لتغيير قواعد وحدود الناس وتجميل حياتهم وتحقيق مختلف أحلامهم.

وقد عدت إلى هذا الكتاب بكل ما فيه من دروس ومعانٍ وأنا -مثل كثيرين غيري الآن في مصر- أتابع وأعيش كل تداعيات ومواجع مذبحة استاد بورسعيد.. أشاهد الحزن في عيون الكثيرين، وأرى نجمًا كبيرًا وقديرًا مثل أبو تريكة يطوف على أسر شهداء المذبحة؛ يقتسم معهم الدموع والدعاء والصبر والأسى.. ويحكي لي لاعبون كثيرون عن عجزهم عن لعب الكرة مرة أخرى بعد هذا الذي شاهدوه بأنفسهم أو حتى لم يشاهدوه، لكن أحزنهم أن يموت الناس في ملاعب الكرة مثل النجم الكبير والقدير أيضًا شيكابالا.. ومن أجل ذلك كله، أدعو «أبو تريكة» وكل نجوم الأهلي الكبار، كما أدعو «شيكابالا» ونجوم الزمالك وبقية النجوم في كل الأندية الأخرى، وكل أسر الشهداء والضحايا ومن يحب أو يريد استغلال هذا الحزن النبيل والوجع الحقيقي من أجل تغيير أو تجميل ولو قليل من القبح الذي بدأ يستوطن حياتنا وبلادنا.

أتمنى أن نُحيل ما جرى في استاد بورسعيد إلى بداية جديدة حتى يمكن لهؤلاء النجوم الكبار الذين يحبهم ويحترمهم الناس أن يكفوا عن ممارسة الحزن ويبدؤوا في استغلال شعبيتهم الطاغية لتجميل حياة الناس البسطاء والفقراء والأطفال في أي وكل مكان على أرض مصر.

وإذا كان جميلاً ورائعًا أن يقبل لاعبو الزمالك دعوة عبد الواحد السيد فيرتدون جميعًا فانلات مرسومًا عليها صورة «أنس» أصغر شهداء المذبحة قبل مباراتهم المهمة ضد نادي يانج أفريكانز؛ فالأجمل أن ننشئ ملعبًا بسيطًا لأطفال في عمر «أنس» محرومين من اللعب ومن كل شيء، وأن يحمل هذا الملعب اسم «أنس».

أتمنى ملاعب مماثلة يدعو لها لاعبو الأهلي، ومعهم نجوم الأندية الأخرى، وإعلاميون وسياسيون ومحزونون وغاضبون، يأخذون معهم أحزانهم ودموعهم وصور الشهداء وحكاياتهم إلى عشوائيات وزوايا فقيرة محرومة من كل شيء؛ فقد تكون الكرة هي بداية الالتفات إليهم وإلى كل ما في حياتهم من حرمان ومعاناة.

قد تكون الكرة هي البهجة التي يحتاجون إليها ليواصلوا حياتهم رغم الفقر والألم.

--------

نقلاً عن صحيفة "المصري اليومالاثنين 20 فبراير/شباط 2012.