EN
  • تاريخ النشر: 19 مارس, 2012

البابا والرياضة

ياسر أيوب

ياسر أيوب

الكاتب يتحدث عن علاقة البابا الراحل شنودة الثالث وعلاقته بالرياضة المصرية

  • تاريخ النشر: 19 مارس, 2012

البابا والرياضة

(ياسر أيوب) قبل سنين طويلة.. ذهبت إلى الكاتدرائية لأجري أول وآخر حوار رياضي مع البابا شنودة طيلة حياته.. وامتد اللقاء الذي كان مقررا ألا يزيد على ثلاثين دقيقة إلى ساعتين ونصف الساعة.. ورغم ذلك لم ينته الحوار والكلام عن مصر والكنيسة والجسد وكرة القدم.. فدعاني البابا لمصاحبته يوما كاملا في وادي النطرون نستكمل الحوار.. ومنذ ذلك اليوم البعيد وأنا أتابع رؤية البابا للكنيسة والرياضة وكرة القدم كما شرحها لي كثيرا وطويلا.. وكيف تحولت هذه الرؤية إلى دوري لكرة القدم داخل الكنيسة بدأ قبل عشر سنين من الآن، وبات يضم أكثر من عشرة آلاف لاعب يلعبون في سبعمائة فريق يتنافسون جميعهم على كأس البابا شنودة.. ثم أصبحت تلك الرؤية منهجا كنسيا تعامل مع كرة القدم باعتبارها مرآة تعكس كثيرا من الأوضاع والأشواك والأوجاع السياسية والاجتماعية.

ولا أزال أذكر آخر ما قاله البابا عن كرة القدم قبل رحلته الأخيرة مع المرض والألم حين أكد أن مشهد الدوري المصرى الحالى يعنى.. أكثر جدا من مشاهد سياسية أخرى متعددة.. انعزال الأقباط أو عزلهم وغياب حقوق كثيرة كان من المفترض أن تكون لهم كمواطنين مصريين.. وسواء كان الاتفاق أو الاختلاف مع البابا في رؤيته ودواعيها وأسبابها.. فقد كان البابا شنودة بالفعل رجلا استثنائيا.. حكيما وعميقا ورائعا.. ورأيت فيه أحد العشاق الكبار لمصر.. رأيته واحدا من قليلين جدا أدركوا أن حياة الناس الحقيقية ليست طول الوقت هى هذه العناوين الكبيرة والكلمات الزاعقة، وإنما التى معظم أوقاتها تلك الأشياء والتفاصيل الصغيرة. ولهذا لم يكن البابا مثل كثير من السياسيين والمثقفين والمفكرين الكبار يحتقر كرة القدم أو يتعالى عليها.. بل على العكس.. كان يراها أهم وأعمق وأجمل من أن تكون مجرد لعبة.. وقال لى إنهم في الفاتيكان استخدموا كرة القدم دفاعا عن كنيستهم حتى تزداد اقترابا من الناس ولا تنفصل عن دنياهم.

وأذكر أن البابا شنودة في أول عظة له بعد ثورة يناير.. أصغى لكثير من هموم الناس ومواجعهم وشكاواهم وبدأ يرد على أسئلتهم.. وبعد كثير من الأسئلة.. فوجئ البابا بزوجة تشكو له زوجها الذي يشجع الزمالك ويقوم بالتشاجر معها ويغضب عليها ويسىء معاملتها إن لم يفز الزمالك في أى مباراة.. فلم ير البابا أنه لم يكن يليق بهذه المرأة أن تقول ذلك أمامه، وبعد طرح كثير من القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية.. فهى تسأل عن حياتها وعن كرة القدم.. ولهذا ابتسم البابا وقال لهذه الزوجة إنه يطلب منها تشجيع الزمالك مثل زوجها حتى يسعد الاثنان معا إن فاز ويغضبا معا إن خسر..

وعلى الرغم من رؤيته واقتناعه بأهمية كرة القدم ومكانتها.. إلا أن طفولة البابا شنودة لم تشهد إلا عشق القراءة والكتب.. أما اللعب فلم يعرفه البابا صغيرا أو كبيرا.. مارس بعض التدريبات في حصة الألعاب بالمدرسة الثانوية.. لكنه بعدها لم يلعب أبدا.. وقد ألححت عليه لأعرف ماذا لعب البابا شنودة وهو طفل صغير.. فقال إنه لم يلعب.. ثم عاد وقال إنه لا يذكر.. ولكننى استأذنته في الإلحاح على سؤالى وأن يسمح لى بالتفتيش في ذاكرته وأيامه.. وفجأة توقف البابا ضاحكا قائلا: نعم.. أتذكر الآن أننى لعبت كرة السلة وتنس الطاولة.. بل تذكر البابا وهو يواصل الضحك أنه كان يحتفظ بصورة له وهو يلعب كرة السلة، لكنه لا يعرف الآن أين اختفت تلك الصورة..

وقال البابا أيضا إنه أبدا لم يلعب كرة القدم ولا يشاهد مبارياتها.. لكنه يعرف أسماء بعض نجومها ويأمر دائما بالصلاة قبل كل مباراة مهمة وحاسمة لمنتخب مصر.. وعاش البابا يدعو طول الوقت حتى وفاته إلى ضرورة الالتفات بشكل آخر للرياضة وكرة القدم.. أكثر عمقا ورقيا مما هو حاصل حتى الآن.. رؤية ستتحقق بالفعل.. ولكن بعد غياب البابا شنودة ورحيله عن دنيانا.

 

منقول من صحيفة "المصري اليوم"