EN
  • تاريخ النشر: 04 مارس, 2010

"الدراما التركية" تبني... وغيرها يهدم!

عندما دخلت الدراما التركية إلى «عيون» السعوديين صدموا بمشاهد الحياة والألفة الاجتماعية بين الأتراك، لكن تلك الصدمة التي هوجمت بشدة من الممانعين لكل ما هو جديد وطبيعي سقطت مع توالي نفحات الحياة التي كانت تطلقها في إرجاء النفوس المشاهدة.

  • تاريخ النشر: 04 مارس, 2010

"الدراما التركية" تبني... وغيرها يهدم!

عندما دخلت الدراما التركية إلى «عيون» السعوديين صدموا بمشاهد الحياة والألفة الاجتماعية بين الأتراك، لكن تلك الصدمة التي هوجمت بشدة من الممانعين لكل ما هو جديد وطبيعي سقطت مع توالي نفحات الحياة التي كانت تطلقها في إرجاء النفوس المشاهدة.

محطة الـ «إم بي سي» رائدة بناء الجسور على الأتراك، قدمت لنا أخيراً نموذجاً جديداً ومدهشاً عن البناء الحقيقي للجسور بين الأمم، مهما كان تباعدها، وفوارقها الاجتماعية والدينية.

فمسلسل «الغريب» الذي تبثه المحطة منذ شهرين على شاشتها، عبرت بالمشاهد العربي خلال كل العقد والصعاب التي شكلت العلاقة التركية اليونانية، فالغريب «الشاب اليوناني» الثري جداً، الذي عاشت أسرته في اسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا، ارتبط بعلاقة زواج مع الفتاة التركية ابنة العائلة التركية متوسطة الحال، التي تنتمي لعائلة مناضلة لها تاريخها في مقاومة المد اليوناني، وحارب أجدادها بعض الاحتلالات اليونانية لأجزاء من بلادهم.

تلك العلاقة الشائكة ومع كل الصعاب التي تحيط بها، فككتها الدراما التركية، وبنت في زواياها حلولاً لإشكالية العلاقة الصعبة، والمتوترة على مدى عقود بين عرقين وديانتين مختلفتين تماماً.

ويبدو المشاهد في تنقله مع حبكة الرواية، مدهوشاً من تفاصيل الحارة التركية، ومشاهد التسامح، والمحبة بين أبنائها، وانفتاحهم الرقيق غير المعقد مع بعضهم البعض. ليتداخل المشاهد مرة أخرى مع تفاصيل الحياة اليومية بين الأسرتين التركية واليونانية التي اختصرت في تفاصيلها بعض ملامح الأمتين.

تلك الجسور التي كانت تبنى، تملك في ثناياها تبريراتها الحقيقية، والمقنعة، بدءاً من التأكيد على أن الفكر المدني، والقناعة التامة بأنه لا يملك احد مهما كان الحقيقة المطلقة، ولا العرق النقي، ولا الجنة لوحده، كما انه وفي خضم الخلاف لا يمكن أيضا لأحد تغيير أفكار ودين من يريد مهما أوتي من الحجة والمنطق.

بل إن الحل كان وما زال في تقبل الآخر بكل ما فيه من عيوب ومصالح، مادمنا ارتضينا أن نعيش معه تحت «سماء الله»، أو لنأخذ «عزالنا» ونرحل باتجاه كوكب آخر نعيش فيه لوحدنا من دون أن ينغص علينا مذنب ولا مخالف لما نعتقده. تلك الدراما التركية التي أكدت للمشاهد أن من يريد بناء الجسور قادر على بناء القناعات مهما كان الإرث التاريخي، وان من يريد هدم الجسور قادر أيضاً على تدمير الحضارات أو على الأقل إبقاؤها مهدمة.

في مقابل هؤلاء الأتراك الذين يغوصون الآن في كل زوايا الشرق والغرب، حاملين مبدأ التسامح مع الأرمن والأكراد واليونان، وأخيراً مع العرب، على رغم كل الاختلافات والثأر التاريخي معهم، نجد من يهدم جسورنا مع أبناء جلدتنا وأبناء قبلتنا، فينبشون التاريخ بحثاً عن نص يكفر، أو قول ضعيف قيل في ظرف معين، وزمن محدود وفي مرحلة تاريخية ماتت ومات حكمها. إنها إشكالية الموت والحياة، فالقادرون على بعث الحياة من الموت قليلون، والقاتلون للحياة كثير، لكن ذلك يكشف القادمين نحو المستقبل والمتسيدين للمشهد، ويكشف أيضاً أن المهزومين هم فقط من يختزل الحقيقة، في نفسه وجماعته، وأنهم هم الخارجون من صورة التاريخ.

(*) نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية.