EN
  • تاريخ النشر: 26 ديسمبر, 2011

وفاء الالتراس

خالد بيومي

خالد بيومي

تتجلى أعظم لحظات الوفاء فى الكون عندما تعطى الشهيد حقه وهو ما تحقق فعليا من ألتراس أهلاوى فى موقفه الرائع تجاه زميلهم الشهيد المهندس محمد مصطفى..

(خالد بيومي) تتجلى أعظم لحظات الوفاء فى الكون عندما تعطى الشهيد حقه، ويتمثل الموقف فى عظمة التحية والتكريم والتقدير، وهو ما تحقق فعليا من ألتراس أهلاوى فى موقفه الرائع تجاه زميلهم الشهيد المهندس محمد مصطفى، الذى فارق الحياة فى أحداث اشتباكات التحرير الأخيرة، فلم يكن الاتشاح باللون الأسود هو الرسالة التقديرية التى قدمها الألتراس لزميلهم فحسب، بل كان الالتزام وعدم الخروج عن النص واستخدام الشماريخ أو التجاوز بالنزول لأرض الملعب، أو حتى أى تصرف يحتم على إلغاء المباراة. الزى كان موحدا، والهتاف كان موحدا متزلزلا تحت أقدام لاعبى المقاصة والأهلى، بل كان لحن وفاء قدمه الألتراس لزميلهم

أن تفقد رفيقا وزميلا وأخا لم ولن يكون بالشىء السهل والمحتمل، بل هو الذى يحتاج منا إلى تفكير عميق قبل أى خطوة نتخذها، بل وندرسها حتى نتجنب العنف الذى يجنى إراقة الدماء بسهولة

.

أعتبر هذا الموقف إيجابيا من كل الجوانب.. وفى كل المقاييس كان التعبير عن الحزن مؤثرا، وهو الذى دفع لاعبى الأهلى لمبادلته بإلقاء الشارات البيضاء تحية لهم وتقديرا لهم، لأن لاعبى الأهلى وجهازهم الفنى يدركون تماما أن هذا الجمهور هو مصدر قوتهم وعزوتهم. وأتمنى أن نأخذ كمصريين هذا الموقف مثالا لنا فى تصرفاتنا فى الأيام القادمة، فلم يكن هناك داعٍ من الأساس للاشتباك والاقتتال، بل هناك وسائل عديدة لضبط النفس والتحكم فى العصبية التى تدفع إلى ما لا يطاق. وكون الحياة كفاحا ومثابرة وجهادا، فعلينا جميعا أن نلتف سويا من أجل حقن الدماء والكف عن أذى بعضنا بعضا. الإيجابية كانت فى أن الألتراس أدرك أن العنف له أنياب لا حدود لها، فقرروا الرد على الرسالة بجمل راقية تمثلت فى صمت، وتكللت بهتافات، وعبرت عنها فى النهاية بتشجيع الأهلى، لأنها كانت رسالة محمد مصطفى فى حياته، فردها له زملاؤه وأصدقاؤه بطريقة حضارية ذرفت لها دموع الأعين.

ولعل العلاج كان راقيا بحظر استخدام العنف والأشياء التى تمثل خروجا عن النص، لأن الدرس المستفاد من تلك الواقعة كان قاسيا، فأن تفقد رفيقا وزميلا وأخا لم ولن يكون بالشىء السهل والمحتمل، بل هو الذى يحتاج منا إلى تفكير عميق قبل أى خطوة نتخذها، بل وندرسها حتى نتجنب العنف الذى يجنى إراقة الدماء بسهولة، ولعل الحضور للمباراة والالتزام جعل الجميع يتعجب من دقة تنظيم هذه المجموعة، فدوما ما كانت الاتهامات تشار إليهم بأصابع الاتهام بأنهم هم أعداء الاستقرار وهم من يدمر مصر، ولكن المشهد الذى شاهدناه بالتأكيد أثبت عكس ذلك تماما، فلو كانت النية مبيتة للعنف وعدم الاستقرار، لما كانت تلك المجموعة من الشباب قد عبرت عن الموقف الصعب الذى تمر به بتلك الطريقة.

أقلب أوراقا كثيرة كانت أمامى وأنا أكتب مقالى، وأجد ورقة سقطت من كتاب لا أعرف اسمه، ولكن بها عبارة لأحد عظماء العالم وهو المناضل مالكوم إكس، يقول فيها: «من تذوق العنف والجبروت فى لحظة من حياته، أدرك أن الله ألهمه عقلا يفكر به، فلو قرر العنف كما حدث له خسر الرهان، ولو استخدم الرفق والتأنى ربح الاحترام مع الحياة». الألتراس حاليا يعلمون تماما صعوبة الموقف الذى يمرون به، ولكن هذا أبدًا لم يمنعهم أن يقولوا كلمة الوفاء للمهندس محمد مرددين: «نم قرير العين يا محمد.. فنحن على مبادئنا ماضون».