EN
  • تاريخ النشر: 02 ديسمبر, 2009

مقال بعنوان قراءة جزائرية في "فتنة المونديال" رئيس تحرير أخبار اليوم الجزائرية: لن تفرق بيننا مباراة كرة

في مقال بعنوان "قراءة جزائرية في فتنة المونديال" خص به موقع صدى الملاعب، رصد الأستاذ الشيخ بن خليفة رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم الجزائرية تسلسل الأحداث التي صاحبت مباراتي القاهرة وأم درمان بين المنتخبين المصري والجزائري في تصفيات المونديال، والتي نتج عنها أزمة عنيفة بين البلدين الشقيقين.

في مقال بعنوان "قراءة جزائرية في فتنة المونديال" خص به موقع صدى الملاعب، رصد الأستاذ الشيخ بن خليفة رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم الجزائرية تسلسل الأحداث التي صاحبت مباراتي القاهرة وأم درمان بين المنتخبين المصري والجزائري في تصفيات المونديال، والتي نتج عنها أزمة عنيفة بين البلدين الشقيقين.

"سافر المنتخب الجزائري لكرة القدم إلى مصر يوم الثاني عشر نوفمبر ليلعب آخر مقابلة له في تصفيات كأس العالم 2010 يوم الرابع عشر من نوفمبر، فتعرضت حافلته للرشق بالحجارة من بعض الجماهير المتعصبة، والمشحونة فوق اللزوم بفعل تطرف بعض المتطفلين على الإعلام المصري، وبدلا من الاعتراف بالتقصير الأمني في حماية حافلة المنتخب، والاعتذار عن ذلك، مع التأكيد على أن ما حدث لا يمثل بلدا بأكمله، راحت الأوساط الرسمية المصرية، وما يتبعها من أبواق إعلامية غير مسؤولة، تقول إن ما حصل مجرد تمثيلية وقحة، وإن هؤلاء اللاعبين الذين نقلت وسائل إعلامية عالمية عديدة صور وفيديوهات الاعتداء الذي تعرضوا له قد ضربوا أنفسهم وشجوا رؤوسهم وكسروا زجاج حافلتهم.

ماذا كان يضر السلطات المصرية لو أنها اعتذرت عن حادثة ضرب حافلة المنتخب الجزائري دقائق بعد مغادرتها مطار القاهرة الدولي على أيدي متعصبين زادهم الإعلام غير المسؤول تعصبا؟ وماذا كسبت السلطات المصرية من إنكارها الحادثة، وزعمها أن اللاعبين الجزائريين ضربوا حافلتهم وكسروا زجاجها؟.

لقد كانت الجماهير المصرية مشحونة فوق اللزوم، وصوّرت لها بعض فضائيات التحريض مقابلة 14 نوفمبر على أنها حرب حقيقية، وأوحت إليها أنه سيكون حراما أن يُحرم جيل أبو تريكة من الذهاب إلى أكبر وأهم استحقاق رياضي، وقدّمت لهم منتخب الجزائر في صورة العدو الذي ينبغي هزمه بكل الأساليب، ولم يتردد رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم في تهييج الجماهير وسيحفظ له التاريخ قوله: "افعلوا ما شئتم بالجزائريين.. المهم أن نفوز".. ولذلك لم يكن غريبا أن تتعرض حافلة "الخضر" لاعتداء بسبب ذلك الشحن من جهة، ونتيجة تقصير أمني واضح في توفير الحماية اللازمة للحافلة من جهة ثانية، ولكن الغريب هو ما تبع ذلك الاعتداء من إنكار له، مع أن الحادثة تم تصويرها وبُثت على أكثر من وسيلة إعلام مرئية محايدة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تعرضت حافلة المنتخب الجزائري بعد نهاية مقابلة الرابع عشر من نوفمبر إلى رشق جديد بالحجارة بعد مغادرتها ملعب القاهرة، وقد كان ممثل الاتحاد الدولي لكرة القدم على متنها، وهو شاهد على ذلك، كما تعرض مناصرون وصحفيون جزائريون لاعتداءات مختلفة، وهناك شهادات وصور موثقة تثبت ذلك.

ومرة أخرى عادت الأوساط الرسمية المصرية، وما تبعتها من أبواق إعلامية غير مسؤولة، إلى لعبة الإنكار.. وهو ما فتح الباب أمام الصحف الجزائرية لمحاولة الرد بطريقتها على تلك التجاوزات، وهنا بدأت الأمور تأخذ منحى تصاعديا خطيرا، بعد أن تحدثت بعض الصحف عن سقوط قتلى جزائريين في القاهرة، نقلا عن مصادر غير رسمية، وهو ما زاد من حدة غضب الجماهير الجزائرية التي كانت غاضبة أصلا بعد الاعتداء على حافلة "الخضر" بالقاهرة، وإصابة ثلاثة لاعبين أساسيين هم: رفيق حليش، وخالد لموشية، ورفيق صايفي، إضافة إلى مدرب حراس المرمى.

وما ينبغي أن يعرفه الأشقاء في مصر وغيرها أن غضب الجزائريين لم يكن فقط بسبب الحديث عن سقوط قتلى جزائريين في القاهرة، وإنما كذلك بسبب الشهادات التي تحدثت عن تعرض جزائريات لإهانات مختلفة في القاهرة، وحتى بالملعب؛ حيث تناقلت وسائل الإعلام أنباء -دون وجود دليل عليها- عن قيام الأمن المصري بتجريد محجبات جزائريات من الخمار بدعوى التفتيش، بل وتحدثت شهادات أخرى عن أمور أكثر سوءا، ناهيك عن إهانة العلم الجزائري، وسب الشهداء وما إلى ذلك.

هذا الغضب الجزائري، الذي تأجج في ظل استمرار لعبة الإنكار المصرية، ترجمته رغبة جماهيرية قوية في السفر إلى الخرطوم لمؤازرة المنتخب الوطني في مقابلة 18 نوفمبر، ولم تتردد السلطات الجزائرية في التجاوب مع هذه الرغبة، فأصدر رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة تعليمات فورية بتسخير كل إمكانيات الدولة لنقل أكبر عدد ممكن من الأنصار إلى الخرطوم، وهو ما حدث فعلا.

أما ما وقع في الخرطوم، قبل وأثناء وبعد مقابلة الفصل التي انتهت بتأهل الجزائر لأول مونديال ينظم بالقارة السمراء، فلا يعدو في تقديرنا أن يكون أمورا عادية تحدث قبل وأثناء وبعد أي لقاء كروي يجري في أجواء مشحونة، وقد وقعت أمور أخطر وصلت حد سقوط قتلى خلال مناسبات رياضية أخرى في الجزائر ومصر وحتى في دول أكثر تطورا وتحضرا.

ومن لم يصدق الرواية الجزائرية، فليسأل الأمن والإعلام السودانيين، ومن لم يصدق الإخوة في السودان، ويزعم أنهم متواطئون مع الجزائر، فليسأل أي إعلامي أجنبي محايد، أو فليسأل حتى الشرفاء من إعلاميي مصر الذين شهد بعضهم بأن ما حصل لا يرقى أبدا إلى المذبحة التي حاولت بعض وسائل الإعلام المصرية غير المسؤولة تكريسها كوصف للتجاوزات التي حصلت.

والغريب في الأمر أن ينخرط الإعلام الرسمي في دولة مصر المعروفة سابقا- باحترامها الشديد للضوابط المهنية في وسائل إعلامها التابعة للدولة، في حملة شتم الجزائريين، وهي حملة وصلت وقاحة أصحابها حد شتم الشهداء، والتشكيك في عروبة الجزائر.

الذين يعرفون طبيعية الإنسان الجزائري جيدا لم يفاجئهم غضب الجزائريين على الاعتداءات التي حصلت في حق اللاعبين والأنصار، وكذا بعض الإعلاميين الجزائريين في القاهرة، فالجزائري طيب جدا مع من يعامله بطيبة -واسألوا السودانيين- ولا يسكت أبدا عن حقه حين يتعرض لمعاملة عدوانية، ولكن غضب الجزائريين تحول إلى أفراح بمجرد إعلان الحكم السيشيلي إيدي ماييه نهاية مقابلة أم درمان بتأهل الجزائر للمونديال، ولذلك فإن الاعتداء على بعض حافلات الجماهير المصرية لم يكن سوى تجاوزات من بعض الجماهير الجزائرية المشحونة، ولكنها لم تكن تجاوزات بذلك الحجم الذي تحدثت عنه فضائيات الفتنة التي صوّرت الشعب الجزائري على أنه شعب سكاكين ومطاوي، ولو أنه كذلك لما خرج مناصر مصري واحد سالما من الخرطوم، ولتم ذبح ذلك الممثل المصري الذي كان يحظى بحب واحترام الجزائريين، والذي لم يبرع في أداء دور المحاصر الذي يتعرض للقتل حين تم تصويره وهو يتحدث بكل راحة إلى قناة فتنة، وهو يقول "احنا بنموتولم نكن نعلم أن شخصا يتعرض للقتل يمكن أن يسعفه الوقت لشحن هاتفه النقال!.

وإذا كان المشاهد المصري البسيط معذورا ربما في كرهه المؤقت لكل ما هو جزائري بالنظر إلى السموم التي نفثتها فضائيات وصحف الفتنة في صدره بهدف إلهائه وتحويل اهتمامه عن أسباب الفشل في بلوغ المونديال، وبهدف مواصلة تنويمه مغناطيسيا، ودفعه إلى قبول مخطط سياسي معلوم؛ فإن النخبة السياسية والإعلامية والفنية المصرية التي يدعو جزء منها إلى مقاطعة الجزائر حكومة وشعبا غير معذورة على الإطلاق، ولن يغفر لها التاريخ تورطها في سب الشهداء، ومحاولة الوقيعة بين شعبين يجمعهما الدين والتاريخ واللغة، ولا يمكن لمباراة كرة أو مخطط توريث أو أي شيء آخر أن يفرق بينهما.